2012/01/20

المؤسسات العموميية الصناعية والتجارية

مقـدمــة:
لقد ساهمت المؤسسات العمومية الصناعية والتجارية في بناء الاقتصاد الوطني، وذلك من خلال دورها الفعال والاستراتيجي للدفع بهذا الاقتصاد إلى التطور والازدهار، خاصة بعد فترة الاستقلال، فأول من بادر إلى تأسيس المؤسسات العمومية العامة الصناعية والتجارية كان هو المستعمر الفرنسي، وذلك ليس  لخدمة المصالح الاقتصادية المغربية، وإنما لتدعيم دواليب استغلال الثروات الطبيعية التي يزخر بها الوطن ، قصد تلبية النقص الذي يعاني منه اقتصاد الدولة المستعمرة.
وبناء على ذلك، ومنذ بداية القرن الماضي لجأ هذا المستعمر إلى تأسيس العديد من المؤسسات الصناعية والتجارية في كل من القطاع المعدني، كالمكتب الشريف للفوسفاط والمكتب الوطني للمساهمات المعدنية، وفي قطاع المواصلات كالمكتب الوطني للسكك الحديدية ومكتب استغلال الموانئ، وبصفة عامة كل ما يخدم نقل خيرات البلاد نحو دولة المستعمر.
أما بعد استقلال المغرب، وبفعل دور الدولة التدخلي، بدأت هذه الأخيرة تهتم بشكل كبير بإنشاء هذه المؤسسات، إذ تميزت بتعددها نظرا لتعدد الأنشطة والقطاعات، الشيء الذي جعل المسؤولين يذهبون قدما نحو إنشاء المزيد من المؤسسات العمومية الصناعية والتجارية، وبذلك كانت مساهمة هذه الأخيرة في الدخل الوطني ما يناهز الثلث، خاصة في منتصف السبعينات من القرن الماضي، كما أنها لعبت دورا هاما في الإنتاج، حيث انتقلت القيمة المضافة من 10% سنة 1972 إلى ما بين 33 و 35% سنة 1975، وذلك نتيجة لارتفاع ثمن الفوسفاط، إضافة إلى تطور المشاريع الصناعية وهكذا أضحت هذه المؤسسات كأسلوب لتسيير المرافق العمومية، وبالتالي ممارسة أنشطة مماثلة لما يقوم به المقاولون الخواص، وذلك بغية تلبية الحاجيات المشتركة للأفراد كقطاع المواصلات مثلا، وبصفة عامة لتخفيف العبء عن المهام التي تقوم بها الوزارات الوصية، أو قصد ملأ الفراغ في مجال من المجالات التي لا يخاطر المقاولون الخواص الاستثمار فيها نظرا لعدم مردوديتها ولقلة الأرباح التي تخولها لهم.
وهكذا، فإن هذه المؤسسات قد تتخذ عدة أشكال قانونية، فإما أن تكون على شكل مكاتب وطنية كالمكتب الوطني للماء الصالح للشرب، أو على شكل صناديق كصندوق الإيداع والتدبير، أو على شكل وكالات كالوكالة المستقلة للنقل الحضري. كما أنها تختلف حسب نطاقها فقد تقدم خدمات على الصعيد الوطني، أي أنها تكون شاملة لكل التراب الوطني كالمكتب الوطني للتنمية الصناعية ODI، وقد يكون نطاقها محدودا في إقليم معين أو جهة محدودة كالوكالة الجهوية لتنمية الأقاليم الشمالية.
وبعد هذه التوطئة السريعة لأهمية المؤسسات العمومية الصناعية والتجارية في تنمية مجالات تدخلها، يمكن طرح مجموعة من التساؤلات تفرض نفسها في هذا المقام.
فما هي المعايير التي اعتمدها المشرع المغربي في تمييزها عن باقي المؤسسات العمومية الأخرى؟
وإذا كانت هذه المؤسسات تعد من الضروريات اللازمة لتشييد الدولة الاجتماعية حسب المادة الأولى من الدستور المغربي، فما هي طرق إنشائها وإلغائها؟ وإذا كان مبدأ الاستقلال الإداري والمالي لهذه المؤسسات عن الدولة وخضوعها لوصايتها فقط،الذي  يعد من المسلمات في الوقت الحاضر، فكيف إذن تتشكل الهيئات الساهرة على تنفيذ برامج وسياسات هذه المؤسسات؟ وبعبارة أخرى، ما هي التركيبة التي يتألف منها الجهاز المسير للمؤسسة العمومية الصناعية والتجارية؟ وبالتالي ما هو النظام القانوني الذي  يتعامل على أساسه هذا الجهاز مع مستخدمي هذه المؤسسات داخليا، ومع المتعاملين معها خارجيا؟
ستتم الإجابة عن هذه التساؤلات وفق التصميم التالي:
المبحث الأول: مفهوم المؤسسات العمومية الصناعية و التجارية.
المطلب الأول: تمييز المؤسسات العمومية الصناعية و التجارية.  
المطلب الثاني: إنشاء المؤسسات العمومية الصناعية والتجارية وإلغاؤها.
1-    إنشاء المؤسسات العمومية الصناعية والتجارية
أ‌-    المؤسسات العمومية الصناعية والتجارية الوطنية.
ب‌-    المؤسسات العمومية الصناعية والتجارية الجهوية.
ت‌-    المؤسسات العمومية الصناعية والتجارية المحلية.
2- طرق إلغاء المؤسسات العمومية الصناعية والتجارية.
المطلب الثالث: الجهاز الإداري المسير للمؤسسات العمومية الصناعية والتجارية.
المبحث الثاني: النظام القانوني للمؤسسات العمومية الصناعية والتجارية.
المطلب الأول: النظام القانوني للعاملين.
أولا: فئة الموظفين.
ثانيا: فئة المستخدمين.
1- المرحلة الأولى: قبل إحداث المحاكم الإدارية.
2-    المرحلة الثانية بعد إحداث المحاكم الإدارية.
المطلب الثاني: النظام القانوني للمتعاقدين مع المؤسسات العمومية الصناعية والتجارية.
أولا: القانون المطبق على عقود المنتفعين.
ثانيا: القانون المطبق على عقود التمويل والتوريد وتصريف الإنتاج.
المبحث الأول : مفهوم المؤسسة العمومية الصناعية و التجارية.
       المطلب الأول: تمييز المؤسسات العمومية الصناعية و التجارية.    
نشير بداية أن المؤسسات العمومية الصناعية والتجارية هي المؤسسات التي تزاول نشاطا لا يختلف عن النشاط الخاص، أي أنها تمارس بصفة رئيسية نشاطا صناعيا وتجاريا بطبيعته وفقا لأحكام القانون التجاري، وأنها تخضع لنظام قانوني مختلط يجمع بين أحكام القانون العام والخاص كل في حدود معينة .
وبالتالي فإن تمييز هذه المؤسسات عن المؤسسات العمومية المهنية أو النقابية، وكذا المؤسسات العمومية الاجتماعية قد لا يثير إشكالا، إما لوضوح النص المؤسس لهذه المؤسسات أو أن الاجتهاد القضائي قد حسم في هذا التمييز ، أو أن الهدف من النشاط قد يختلف بين هذه الأصناف الثلاثة.
فإن كانت المؤسسات العمومية الصناعية والتجارية تهدف إلى تحقيق الربح، أي أن نشاطها يدخل في باب الإنتاج والمبادلة والتوزيع، وتخضع لنظام قانوني مختلط يجمع بين أحكام القانون العام على مستوى التنظيم وأحكام القانون الخاص على مستوى التسيير والنظام المالي والمسؤولية عن الأضرار المترتبة عن نشاطها .
فإن المؤسسات العمومية المهنية أو النقابية تهدف بالأساس إلى إدارة شؤون مهنية أو نقابية معينة، وتمثيل الوظيفة أو المهنة لدى الدولة والغير، أي أن نشاط هذه المؤسسات لا يهدف إلى تحقيق الربح، بل ينصب بالأساس على التنظيم والتسيير وتوفيق شؤون المهنة، ومن أمثلة هذه المؤسسات العمومية نجد الهيئات الزراعية التعاونية بفرنسا وهيئات الطب والمحاماة والخبرة والمحاسبة.
وهكذا فالاختلاف واضح بين المؤسسات العمومية المهنية أو الثقافية و المؤسسات العمومية الصناعية والتجارية، وإن كانت تخضع الأولى أيضا لأحكام القانون الخاص فيما يتعلق بممارسة أعمالها المدنية، وأحكام القانون العام فيما يتعلق باستفادتها من امتيازات السلطة العامة.
أما المؤسسات العمومية الاجتماعية فنشاطها هي الأخرى يخلو تماما من الاتجار أو تحقيق الربح، فهي تهدف أساسا إلى تقديم ضمانات وخدمات اجتماعية للمستفيدين لحمايتهم ضد كل الأخطار المرتبطة بوضعهم الاجتماعي، مثال الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، الهلال الأحمر.
ونخلص هنا أن تمييز المؤسسات العمومية الصناعية والتجارية عن المؤسسات العمومية المهنية أو النقابية، وكذا المؤسسات العمومية الاجتماعية قد لا يثير إشكالا، لكن هذا الإشكال قد يكبر، بل وقد يؤدي إلى خلافات بين الفقه إذا ما أردنا تمييز المؤسسات العمومية الصناعية والتجارية عن المرافق العامة الإدارية.
حيث جاء بعض الفقه بمعايير وآراء للتمييز بين هذين النوعين من المؤسسات، وانتقد البعض الآخر هذه الآراء واضعا معايير أخرى لهذا التمييز، إلى أن جاء الرأي الراجح فقها وقضاء الذي حسم هذا الخلاف وميز بين المؤسسات العمومية الصناعية والتجارية والمرافق العامة الإدارية .
فالرأي الأول من الفقه ذهب إلى التمييز بينهما على أساس الغرض أو الهدف، حيث إذا كان هدف المشروع هو الربح، اعتبر من المؤسسات العمومية الصناعية و التجارية، و العكس إذا كان لا يهدف إلى تحقيق الربح.
أما الرأي الثاني من الفقه ميز بينهما على أساس شكل المشروع، حيث إذا اتخذ شكل المشروعات الخاصة، اعتبر من المؤسسات العمومية الصناعية والتجارية، وإذا كان المشروع يدار بواسطة السلطة العامة، فإنه يعتبر مرفقا عاما إداريا.
وذهب رأي آخر إلى التمييز بين المؤسسات العمومية الصناعية والتجارية والمرافق العامة الإدارية على أساس النظام القانوني الذي تخضع له المؤسسات، فإن كانت تخضع للقانون الخاص اعتبرت مؤسسة عامة صناعية وتجارية، وإذا كانت تخضع للقانون الإداري اعتبر المشروع مرفقا عاما إداريا.
وبعد هذا الاختلاف في آراء الفقه حول معيار التمييز، جاء الرأي الراجح في الفقه والقضاء الذي ميز بين المؤسسات العمومية الصناعية والتجارية والمرافق العامة الإدارية على أساس أن المؤسسة العمومية تعتبر صناعية وتجارية إذا كان النشاط الذي تمارسه يدخل بطبيعته ضمن الأنشطة المنصوص عليها في القانون التجاري، كما هو الشأن بالنسبة للقانون المغربي رقم 95-15 المتعلق بمدونة التجارة الصادر في فاتح غشت 1996.
المطلب الثاني: إنشاء المؤسسات العمومية الصناعية و التجارية وإلغاؤها.
1- إنشاء المؤسسات العمومية الصناعية و التجارية:
عرف إنشاء المؤسسات العمومية الصناعية والتجارية في المغرب قبل الاستقلال، حيث ساهم الاستعمار الفرنسي بشكل كبير في إنشاءها، وبالتالي في التأطير القانوني للمستخدمين وفق ممارسته في هذا المجال في فرنسا، وبعد الاستقلال ازداد عدد هذه المؤسسات بسبب تدخل الدولة في المجال الاقتصادي (الدولة التدخلية)، ففي فرنسا مثلا تم تطبيق طريقة المؤسسة العمومية في المجال الصناعي والتجاري منذ سنة 1914 وإن كان بشكل نادر، لكن منذ سنة 1920 تزايد تدخل الدولة في هذا المجال، وأعطيت تسميات مختلفة لهذه المؤسسات مثل الوكالة، المكتب، الصندوق... .
ويمكن القول هنا أن الاستعمار الفرنسي ساهم بشكل كبير في إنشاء المؤسسات العمومية الصناعية والتجارية بالمغرب، فخلال فترة الحماية تم خلق مجموعة من هذه المؤسسات، وذلك خلال الفترتين الأولى قبل سنة 1930، والثانية منذ 1930 إلى استقلال المغرب، ففي الفترة الأولى أشار ظهير 23 يونيو 1916 من خلال مادته 9 إلى تأسيس المكتب المغربي للملكية الصناعية، وفي المرحلة الثانية تم إنشاء مؤسسات مهمة في العديد من قطاعات كقطاع النقل والتجارة والفلاحة، حيث تم إنشاء مكتب المراقبة والتصدير بظهير 22 يناير 1937، وكذلك المكتب الوطني للنقل.
وبعد حصول المغرب على استقلاله، وحتى تتمكن الدولة من فرض رقابتها على بعض القطاعات الحيوية، وكذا من أجل التصرف في الخيرات الاقتصادية الوطنية التي تعود بالنفع على جميع المواطنين، تم إحداث عدد من المؤسسات العمومية الصناعية والتجارية سنة 1957، كالمكتب الوطني للشاي والسكر  سنة 1958 وبنك المغرب سنة 1959 وكذا شركة لاسامير.
وفيما يخص طرق إحداث المؤسسات العمومية الصناعية والتجارية، فإن ذلك يختلف بحسب ما إذا كانت هذه المؤسسات وطنية أو محلية أو جهوية.
أ‌-    المؤسسات العمومية الصناعية والتجارية الوطنية:
يختص المشرع في المغرب عادة بإحداث هذا النوع من المؤسسات، علما أن هذه القاعدة كانت منذ زمن طويل سوى نتيجة ممارسة عرفية أصبحت اليوم تستمد أسسها من الدستور، أما في فرنسا، فقبل دستور 1958 كان ذلك من اختصاص السلطة التشريعية كذلك، لكن مع صدور دستور 4 أكتوبر 1958 حصر دور السلطة التشريعية في خلق المؤسسات العمومية الصناعية والتجارية في المؤسسات الجديدة فقط، أما إذا تعلق الأمر بمؤسسات قائمة فإن ذلك يكون من اختصاص السلطة التنفيذية، وإذا عدنا إلى المغرب نجد أن المؤسسات العمومية الصناعية والتجارية الوطنية كان إحداثها يتم بموجب ظهير، نظرا لاستفادتها من امتيازات السلطة العمومية، وبعد صدور دستور 1962 و كذلك مع صدور دساتير 1972 و 1992 و 1996، تم التنصيص صراحة على أن إحداث المؤسسات الصناعية والتجارية هذا من اختصاص السلطة التشريعية.
ب‌-    إحداث المؤسسات العمومية الصناعية والتجارية الجهوية:
بخصوص هذه المؤسسات، نجد أن القانون رقم 96/47 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1-07-84، قد ارتقى بالجهة إلى جماعة محلية تتمتع بالشخصية المعنوية، وفي غياب وجود نص قانوني تكون السلطة التي من حقها إنشاء هذا النوع من المؤسسات يمكن إدراجها في اختصاص البرلمان، باعتبار أنه قبل صدور هذا القانون كان الفقه يستنتج من ظهير 19 شتنبر 1977 على أن إنشاء المؤسسات العمومية الجهوية يجب أن يكون من قبل السلطة التشريعية.
ت‌-    المؤسسات العمومية الصناعية والتجارية المحلية:
يرجع الاختصاص في إحداث المؤسسات العمومية الصناعية والتجارية المحلية إلى المجالس الجماعية ومجالس العمالات والأقاليم، حيث أشار إلى ذلك ظهير التنظيم الجماعي الصادر بتاريخ 30 دجنبر 1976، وذلك من خلال مادته 54. أما القانون المنظم لمجالس العمالات والأقاليم، فإنه يشتمل على أحكام صريحة تسند إليها الاختصاص بإحداث الوكالات البلدية المتمتعة بالشخصية المدنية والاستقلال المالي قصد تدبير شؤون المؤسسات  العمومية ذات الطابع الصناعي والتجاري.
2- طرق إلغاء المؤسسات العمومية الصناعية و التجارية:
تلغى المؤسسات العمومية الصناعية والتجارية كقاعدة عامة بنفس الأداة القانونية التي تنشأ بها، لذا فإن المؤسسات العمومية الصناعية والتجارية الوطنية تلغى بقانون، وهي تعتبر الأداة القانونية التي تلغى بها المؤسسات العمومية الصناعية والتجارية الجهوية، أما المؤسسات العمومية الصناعية والتجارية المحلية فإنها تلغى بقرار من المجلس الجماعي الذي توجد في ترابه هذه المؤسسة، وعموما فإن إلغاء المؤسسات العمومية الصناعية والتجارية يدخل في إطار السلطة التقديرية للإدارة، وذلك كالتالي:- إما تحويلها إلى شركة مساهمة – إما بتفويتها للخواص – إما بتصفيتها، بحيث تحال أموالها وممتلكاتها إلى خزينة الدولة.
3- الجهاز الإداري المسير للمؤسسة العمومية الصناعية و التجارية:
يتمثل هذا الجهاز في المجلس الإداري الذي يعد أعلى سلطة إدارية داخل المؤسسة العمومية الصناعية و التجارية، يسند إليه الاختصاصات والقرارات العامة، مثل حصر الميزانية والحسابات وكيفية التمويل وإعداد النظام الأساسي للعاملين...
ويتم اختيار أعضاء المجلس الإداري بقرار من السلطة الإدارية ذات الصلة بالمؤسسة العمومية الصناعية و التجارية، أو يتم انتخابهم من الهيئات التي يمثلونها.
ويجتمع المجلس الإداري في دورات عادية تحدد آجالها في قرار الإنشاء، كما يمكن أن يجتمع بمبادرة من رئيسه أو على طلب عدد محدد من أعضائه في قرار الإنشاء كلما اقتضت الضرورة ذلك.
أما بالنسبة للعاملين في المؤسسات العمومية الصناعية والتجارية، فهم ينقسمون إلى قسمين: فئة تجار المحاسبين والمراقبين، وهؤلاء يعدون من الموظفين العموميين، أما بقية العاملين فيعتبرون أجراء يخضعون لقواعد القانون المالي واختصاص المحاكم العادية.
المبحث الثاني: النظام القانوني للمؤسسات العمومية الصناعية و التجارية.
تخضع المؤسسات العمومية الصناعية والتجارية لنظام قانوني مختلط يجمع بين أحكام القانون العام وأحكام القانون الخاص، فهي تخضع للقانون العام باعتبارها مؤسسات العمومية تخضع لمبادئ التكييف الدائم، وتستفيد من امتيازات السلطة العامة، مثل نزع الملكية من أجل المنفعة العامة، والحصول على قروض بنكية بدون فائدة، والتمتع باحتكار قانوني أو فعلي، كما تخضع هذه المؤسسات لقيد الوصاية الإدارية، حيث أنها تزاول نشاطها تحت إشراف ورقابة السلطة الحكومية الوصية على القطاع موضوع نشاط المؤسسة المعنية، فالصندوق الوطني للقرض الفلاحي مثلا يخضع للوصاية الإدارية لوزارة الفلاحة. والمكتب الوطني للسكك الحديدية يخضع لوصاية الوزارة المكلفة بالنقل، يضاف إلى ذلك أن أموال هذه المؤسسات تعتبر أموالا عمومية تقع تحت نطاق رقابة وزارة المالية، وذلك بواسطة المراقبين الماليين والأعوان المحاسبين التابعين للمحاكم المالية.
أما خضوع المؤسسات العمومية الصناعية والتجارية للقانون الخاص فتفرضه طبيعة النشاط الذي تمارسه هذه المؤسسات، والذي لا يمكن أن يخرج عن دائرة الأنشطة التجارية المنصوص عليها في القانون رقم 95-15 المتعلق بمدونة التجارة، وهو ما يستدعي إخضاع نشاطها هذا للقانون الذي يتلاءم مع طبيعته، وهو القانون الخاص، مادام لا يختلف في شيء عن ذلك المزاول من طرف الخواص.
على أنه إذا كانت المؤسسات العمومية الصناعية والتجارية لا تثير أي إشكال فيما يخص القواعد التي تحكمها، سواء من حيث التنظيم أو النشاط المزاول، مادامت تخضع للقانون العام والقانون الخاص، كما سلف أعلاه، فإن الأمر يحق بالنسبة لتحديد القانون الواجب تطبيقه على مختلف العلاقات التي تدخل فيها هذه المؤسسات، سواء تعلق الأمر بالعاملين فيها، أو بالمنتفعين من خدماتها وكذا مموليها، أو فيما يخص المسؤولية عن الأضرار التي تسببها هذه المؤسسات للغير وهي تزاول أنشطتها،لذلك فإن بسط المسألة في ما يتعلق بتحديد القانون الواجب التطبيق على مختلف جوانب هذه العلاقات يقتضي منا أن نتعرض في نقطة أولى إلى تحديد القانون الذي يحكم الأشخاص العاملين في هذه المؤسسات، سواء الموظفين منهم، أم المستخدمين (المطلب الأول )، وكذا المنتفعين من خدمات المؤسسات العمومية الصناعية والتجارية ومموليها (المطلب الثاني).
المطلب الأول: النظام القانوني للعاملين في المؤسسات العمومية الصناعية و التجارية.
يُجمع الفقه والقضاء في المادة الإدارية، فيما يخص تحديد النظام القانوني للعاملين بالمؤسسات العمومية على ضرورة التمييز بين طائفتين، الأولى تنتمي إلى صنف الموظفين العموميين وتضم كلا من المدير والمحاسب وكبار المراقبين، أما الطائفة الثانية فتنتمي إلى صنف المستخدمين وتحتوي على باقي العاملين بهذه المؤسسات.
وهذا التمييز ليس اعتباطيا، وإنما يترتب عليه أثر هام، يتحدد في أن المنازعات المتعلقة بالمدير والمحاسب داخل المؤسسة العمومية الصناعية والتجارية تخضع لنظام قانوني مختلف جوهريا عن ذلك الذي يحكم باقي المستخدمين.
أولا: فئة الموظفين العموميين في المؤسسات العمومية الصناعية و التجارية.
وتضم هذه الفئة كما سبقت الإشارة، العاملين الذين يضطلعون لمهام القيادة والتقرير والتسيير ، وتضم المدير والمحاسب وكبار المراقبين الذين يعدون أعوانا عموميين يخضعون لقواعد القانون العام.
فمدير المؤسسة العمومية الصناعية والتجارية يتم تعيينه بظهير شريف من قبل الملك، بناءا على اقتراح من سلطة الوصاية، وبذلك فهو يعتبر موظفا عموميا يخضع في ما يتعلق بوضعيته المالية والإدارية لقانون الوظيفة العمومية، كما تختص المحكمة الإدارية بالرباط لوحدها بالبت في المنازعات المتعلقة به، وذلك طبقا للمادة الثامنة من القانون المحدث للمحاكم الإدارية ، والتي تنص على أنه تختص المحكمة الإدارية للرباط وحدها بالبت في النزاعات المتعلقة بالوضعية الفردية للأشخاص المعينين بظهير شريف أو مرسوم.
وقد سبق للمجلس الأعلى أن أكد على الصفة العمومية للمدير، حيث ذهب في أحد قراراته إلى أن "المدير المعين بظهير والذي يتولى تنفيذ  مجموع قرارات مجلس الإدارة له صفة موظف عمومي .
أما بالنسبة للمحاسب، فإنه يعتبر بدوره على غرار المدير، موظفا عموميا، فقد أشار المرسوم الملكي رقم 330-66 الصادر بتاريخ 21 أبريل 1967، والذي يعتبر الإطار المنظم للمالية بالمغرب، إلى أن المحاسب في المؤسسة العمومية الصناعية والتجارية هو محاسب عمومي، وبالتالي يعتبر موظفا عموميا .
وتطبيقا كذلك، فقد ذهبت الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى في قضية السيد لينجلرز، والذي كان يشغل منصب محاسب في مكتب السقي لإحدى القبائل في إقليم بني ملال، إلى إضفاء صفة الموظف العمومي على هذا المحاسب، وإخضاعه بالتالي لقانون الوظيفة العمومية، رغم أنه يشتغل في مؤسسات عمومية اقتصادية .
والقضاء الفرنسي بدوره استقر على إخضاع المحاسب للقانون العام من خلال كثير من الأحكام، سواء تلك الصادرة عن مجلس الدولة، مثل قرار Doulons بتاريخ 8 أبريل 1997، أو تلك الصادرة عن محكمة التنازع في قضية Beck في 10 يناير  1985.
ثانيا: فئة المستخدمين في المؤسسات العمومية الصناعية و   
التجارية.
بالرغم من مرور ما يقارب الخمسين سنة على استقلال المغرب، فإن القضاء ببلادنا لم يستقر على موقف واضح بشأن القانون الذي يحكم نزاعات مستخدمي المؤسسات العمومية الصناعية والتجارية، ذلك أن الأحكام الصادرة في هذا الموضوع تكشف عن تأرجح الاختصاص في هذه النزاعات بين المحاكم العادية والمحاكم الإدارية ، وذلك في مرحلتين متباينتين، الأولى منذ إنشاء المجلس الأعلى إلى غاية إحداث المحاكم الإدارية، بينما الثانية فتحددت منذ إنشاء هذه الأخيرة إلى وقتنا الراهن.
 المرحلة الأولى: قبل إحداث المحاكم الإدارية.
وتتميز بكون الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى كانت هي الجهة المؤهلة للبت في المنازعات الإدارية، وعمل المجلس الأعلى في إطارها على توسيع مجال اختصاصه ليشمل نزاعات مستخدمي المؤسسات العمومية الصناعية والتجارية، وذلك بالاعتماد على المعيار العضوي، حيث اعتبر النزاعات التي تثار بين المؤسسات العمومية الصناعية والتجارية ومستخدميها المرتبطين معها بعقد شغل ذات طبيعة إدارية، ما دام النزاع ناشئا عن قرارات صادرة عن مدير المؤسسات بوصفهم سلطات إدارية، وقرر قبول الطعن بالإلغاء الموجه ضد مقررات مدير المؤسسة العمومية، واعتبرها قابلة للبطلان عندما يثبت أنها مشوبة بأحد عيوب تجاوز السلطة .
وفي الوقت الذي بدأ فيه الموقف يتبلور في جميع القرارات الصادرة عن الغرفة الإدارية، فإن المجلس الأعلى سيأخذ موقفا مغايرا ويسير في اتجاه معاكس، حيث ذهب في قراره الصادر سنة 1968 إلى أنه بالرغم من أن الوكالة المستقلة لتوزيع الماء والكهرباء مؤسسة عمومية، فإنها تنظم حساباتها وفق القوانين والأعراف الجاري بها العمل في التجارة، لذلك فإن المنازعات الفردية التي يمكن أن تثور بينها وبين مستخدميها تدخل في اختصاص محاكم الشغل، كما أن النزاع بين المؤسسة العمومية وأحد عمالها نزاع مدني يتعين الفصل فيه طبقا لمقتضيات قانون الالتزامات و العقود .
بيد أن المجلس الأعلى لم يلبث أن عاد لموقفه السابق وحسم بشكل جلي، حيث اعتبر في العديد من أحكامه على أن مقررات مديري المؤسسات العمومية الصناعية والتجارية تدخل في عداد القرارات الإدارية، مما يجعلها قابلة للطعن بالإلغاء بسبب الشطط في استعمال السلطة بغض النظر عن العلاقة التي تجمع الطاعن بالمؤسسة، وهل تخضع للقانون العام أو الخاص .
وبذلك فإن المجلس الأعلى، ومن خلال الاستعمال للمعيار العضوي لتحديد المقررات ذات الطبيعة الإدارية، قد عمل على تكريس القضاء الإداري للبت في جميع النزاعات التي تخص مرفقا عموميا، مما حتم تطبيق القانون الإداري على نزاعات تعتبر من صميم النزاعات الخاضعة للقانون الخاص .
ولقي موقف المجلس الأعلى المشار إليه أعلاه، سيلا عارما من الطعون تتقاطر عليه من قبل عمال المؤسسات العمومية الصناعية والتجارية، ولمجابهة هذا الوضع، ومن أجل التخفيف من حدة هذه القضايا المعروضة عليه، عمل المجلس الأعلى على تقييد اختصاصه بالبت في هذه النزاعات، بشرط عدم وجود دعوى موازية، والتي مفادها حسب الفقرة 2 من الفصل 360 من قانون الالتزامات و العقود: أن طلب الإلغاء الموجه ضد المقررات الإدارية لا يقبل إذا كان في وسع المعني المطالبة بحقوقه أمام المحاكم العادية.
وفي هذا الإطار، ذهب المجلس المذكور إلى رفض الطعن المقدم ضد مقرر مدير المؤسسة العمومية، وذلك بعلة "أن الطاعن بإمكانه المطالبة بحقوقه أمام المحاكم العادية، والحصول على نفس النتيجة التي يتوخاها من دعوى الإلغاء، أي الرجوع إلى عمله، الأمر الذي يجعل الطعن غير مقبول لوجود دعوى موازية .
على أن شرط  الدعوى الموازية  لم يساهم في حل هذا الإشكال، بل سيطرح مشاكل جديدة بشأن تحديد مفهوم هذه الدعوى ذاتها، خاصة وأنها ليست كفيلة بتأمين حماية كافية للمستخدم، فهي لا تمكنه في أحسن الأحوال سوى من الحكم على المؤسسات العمومية الصناعية والتجارية بالتعويض عن الأضرار التي لحقت المستخدم، طبقا لأحكام عقد الشغل دون إمكانية إلغاء المقرر المتنازع حوله، وتوجيه أمر إلى المؤسسة بإرجاع العامل المعني إلى عمله، خاصة وأن الفصل 25 من قانون المسطرة المدنية يمنع على المحاكم الابتدائية البت، ولو بصفة تبعية في جميع الطلبات، التي من شأنها أن تعرقل عمل الإدارات العمومية للدولة أو تلغي إحدى قراراتها .
المرحلة الثانية: بعد إحداث المحاكم الإدارية
ليس هنالك من شك على أن المشرع المغربي من خلال تخويله للمحاكم الإدارية صلاحية البت في نزاعات مستخدمي وأعوان المؤسسات العمومية الصناعية والتجارية، قد عمل على تكريس المبدأ أو الموقف الذي استقر عليه المجلس الأعلى بهذا الخصوص، ذلك أن الفقرة الثانية من المادة  8 من القانون رقم 90-41 المحدث للمحاكم الإدارية تنص على أنه "وتختص كذلك بالنظر في النزاعات المتعلقة بالوضعية الفردية للموظفين والعاملين في مرافق الدولة والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية".
ويتضح مما سبق، أن المشرع المغربي لم يميز وهو يسند اختصاص البت في نزاعات العاملين بالمؤسسات العمومية للمحاكم الإدارية، بين ذات الطبيعة الإدارية وذات الطبيعة الصناعية والتجارية، كما لم يميز ضمن هذه الأخيرة بين الأعوان الحاملين لصفة موظف عمومي والأعوان الذين تربطهم بالمؤسسة عقود شغل، فأصبح إذن لهذه المؤسسات انسجاما مع موقف المشرع، إن المحاكم الإدارية في تجسيد منها لنص المادة 8 من القانون رقم 90-41 عمدت إلى الأخذ بالمعيار العضوي لتأسيس اختصاصها، إذ يكفي صدور المقرر المطعون فيها لأحكام القانون الخاص أو العام .
ورغم  أن موقف المحاكم الإدارية هذا ينسجم مع نص المادة 8 من القانون رقم 90-41، فإن ما يلاحظ بهذا الخصوص، أن المحاكم لم تتقيد به على الإطلاق، ذلك أنها عمدت في كثير من أحكامها إلى الموقف الذي كرسه في واقع الأمر المجلس الأعلى في الفترات الأولى لتأسيسه، والذي خول للمحاكم العادية البت في نزاعات مستخدمي المؤسسات العمومية الصناعية والتجارية .
وهكذا فلم تكتف المحاكم الإدارية بالمعيار العضوي القاصر على الطبيعة الإدارية للسلطة، مصدره القرار المطعون فيه لتأسيس اختصاصها، بل ركزت اهتمامها على الطبيعة القانونية للعلاقة التي تربط المستخدم بالمؤسسات العمومية ، ففي هذا الإطار ذهبت المحكمة الإدارية بوجدة في حكمها الصادر سنة 1995 إلى أن "القرار المطعون فيه، هو قرار اتخذه مدير المكتب الوطني للسكك الحديدية في إطار العلاقة العقدية التي تربط بالطاعن، وهي علاقة تخضع لقواعد القانون الخاص لتعلقها بتنفيذ عقد شغل عادي، ذلك أن المكتب الوطني للسكك الحديدية وإن كان مؤسسة عمومية  يتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي، فإن القرارات التي اتخذها المدير بشأن العلاقة التي تربطه بالمستخدمين الخاضعين للقانون الخاص، لا تعتبر قرارات إدارية، لذلك فإن مطالبة الطاعن بحقوقه لا يمكن ممارستها إلا في إطار المحاكم العادية، وطبقا للمساطر المعمول بها في نزاعات الشغل .
وبدورها ذهبت المحكمة الإدارية بمراكش في قرارها سنة 1995، إلى أن المكتب الوطني للكهرباء  يرتبط بمستخدميه بمقتضى علاقة تعاقدية، تتمثل في عقد الشغل، وبالتالي فإن النزاعات التي تثار بشأن هذه العلاقة تبقى خاضعة لأحكام القانون الخاص، ومن اختصاص المحاكم العادية .
ويذهب جانب من الفقه إلى أن موقف المحاكم الإدارية هذا، لا يجوز اعتباره استثنائيا أو وليد ظرفية خاصة، ولكن يتعين النظر إلى هذه الحالات كتوجه جديد للقضاء الإداري ببلادنا، بدأ يشق طريقه من خلال هذه المادة، وهذا التوجه من شأنه أن يخرج المحاكم الإدارية من المأزق الذي أحدثه المشرع بمنحها صلاحية البت في نزاعات مستخدمي المؤسسات العمومية الصناعية والتجارية، وهو ما كان سيدفعها لتطبيق أحكام القانون العام على قضايا من صميم القانون الخاص، مما يتعارض مع المنطق القانوني السليم، الذي يقتضي تحديد اختصاص المحاكم الإدارية بالقضايا التي تستوجب فقط تطبيق القانون الإداري .
ويبدو أن هذا التوجه الجديد للقضاء الإداري، كان له كبير الأثر على المشرع المغربي، والذي عمل من خلال مدونة الشغل لسنة 2004 على تكريس المبدأ الذي أقرته المحاكم الإدارية أواسط التسعينات، والقاضي بإخضاع نزاعات مستخدمي المؤسسات العمومية الصناعية والتجارية لأحكام القانون الخاص.
ففي هذا الإطار نصت المادة الأولى من القانون رقم 99-65 المتعلق بمدونة الشغل على أنه "تسري أحكام هذا القانون على الأشخاص المرتبطين بعقد شغل أيا كانت طرق تنفيذه، كما تسري على المقاولات والمؤسسات التابعة للدولة والجماعات المحلية، إذا كانت تكتسي طابعا صناعيا أو تجاريا أو فلاحيا، وعلى التعاونيات والشركات المدنية والنقابات والجمعيات والمجموعات على اختلاف أنواعها".
وبذلك فإن المشرع المغربي، ومن خلال نص المادة الوارد أعلاه، يكون قد قضى على المشاكل التي أُثيرت على مستوى الفقه والقضاء بخصوص القانون الواجب التطبيق على نزاعات مستخدمي المؤسسات العمومية الصناعية والتجارية، مادام أن نص المادة الأولى من القانون رقم 99-65 المتعلق بمدونة الشغل كان صريحا في إخضاع نزاعاتهم لأحكام قانون الشغل.
المطلب الثاني: النظام القانوني للمتعاقدين مع المؤسسات العمومية الصناعية و التجارية.
يتم التمييز في إطار المتعاقد مع المؤسسات العمومية بين المنتفعين (أولا) والممولين أو الموردين (ثانيا).
أولا: القانون المطبق على عقود المنتفعين.
يقصد بالمنتفع كل شخص يستفيد من خدمات المؤسسة العمومية، ولو لم يربطه بالمؤسسة أي عقد، سواء كانت استفادته بصورة منتظمة أو غير منتظمة .
وتخضع جميع المنازعات المتعلقة بالعقود التي تربط بين المؤسسات العمومية الصناعية والتجارية والمنتفعين من خدماتها لاختصاص المحاكم العادية، وتطبق بشأنها أحكام وقواعد القانون الخاص، ففي هذا السياق ذهبت المحكمة الإدارية بالرباط في أحد أحكامها الصادرة سنة 1996، إلى الحكم بعدم اختصاصها للبت في نازلة تتعلق بنزاع ناتج عن عقد اشتراك في الهاتف، كان يربط الطاعن آنذاك بالمكتب الوطني للبريد والمواصلات، ومما عللت به المحكمة المذكورة قرارها ما يلي "إن عقد الاشتراك في الهاتف، يعتبر عقدا من عقود القانون الخاص التي تنظم العلاقة بين المرافق العامة الصناعية والتجارية والمنتفعين من خدماتها، وتعتبر بالتالي عقودا إدارية، ولو تضمنت شروطا غير مألوفة في القانون الخاص"، كما أن المادة 8 من قانون المحاكم الإدارية، وإن منحت الاختصاص للمحاكم الإدارية للبت في النزاعات المتعلقة بالعقود الإدارية، فإنها لم تمنحها هذا الاختصاص فيما يتعلق بعقود الإذعان التي تعتبر عقودا خاصة .
ثانيا: القانون المطبق على عقود التمويل والتوريد وتصريف الإنتاج.
على غرار العقود التي تربط المؤسسات العمومية الصناعية والتجارية بالمنتفعين من خدماتها، والتي تعتبر عقودا خاصة تطبق بشأنها أحكام القانون الخاص، وتدخل منازعاتها في ولاية المحاكم العادية، فإن عقود التمويل والخدمات التي تبرمها المؤسسات العمومية الصناعية والتجارية من أجل تلبية حاجياتها وإنجاز أعمالها، تعتبر بدورها عقودا خاصة تخضع لأحكام القانون الخاص، وتختص المحاكم العادية بالبت في المنازعات الناشئة عنها، ما دامت أن هذه العقود تتصل اتصالا وثيقا بالنشاط الذي تداوله المؤسسات العمومية الصناعية والتجارية، أي الصناعة والتجارة، والذي يخضع كما سبق أن رأينا لقواعد القانون الخاص.
ومع ذلك، فإن اختصاص المحاكم العادية للبت في العقود المبرمة من طرف المؤسسات العمومية الصناعية والتجارية رهين بعدم تعلقها بإدارة أو تسيير مؤسسة عمومية، ذلك أنه إذا كان العقد يتعلق بأمر من هذا القبيل، فإنه يعتبر عقدا إداريا تحكمه قواعد  القانون الإداري، وتختص بالبت في نزاعاته المحاكم الإدارية، وذلك طبقا للمادة 8 من قانون المحاكم الإدارية.
ويقصد بالعقود الإدارية، تلك الاتفاقات التي تبرمها الإدارة كسلطة عامة، وترتبط بتسيير مؤسسة عامة، ويكون موضوعا لإنجاز أشغال عمومية أو تكليف المتعاقد بمهمة المؤسسة العامة، أو بتوريد وتمويل المؤسسة بالحاجيات الضرورية لاستمرارية نشاطه، ومن أمثلة العقود الإدارية عقود الأشغال والتوريدات والخدمات.
وفي هذا الإطار فقد  ذهبت الغرفة الإدارية في أحد قراراتها، إلا أنه بالرغم من كون العقد المبرم بين مؤسسة عمومية هي "المكتب الوطني  للكهرباء" وبين "الطاعن"، يتضمن شروطا غير مألوفة في العقود الخاصة، لأن  العقد المذكور لا يتعلق إبرامه بتسيير مرفق عام، وبالتالي فإن الأمر لا يتعلق بعقد إداري، لهذا  لا تخضع المنازعات المتعلقة به لاختصاص المحاكم الإدارية، ولكن بعقد عاد يرجع للمحاكم العادية.
navright