2012/01/20

عقود التدبير المفوض

لقد عرف العالم تحوّلا مهمّا إبتداءا من السنوات التسعينيات من القرن الماضي،خصوصا عند أفول نجم المعسكر الشرقي(الاشتراكي)-الذي كان يدعو إلى ضرورة تدخل الدولة فيما يسمى بالقطاع العام-، و بروز المعسكر الغربي(الليبرالي)-الذي يقدس الفرد إنطلاقا من إيمان رواده و أتباعه لما يسمى بالمذهب الفردي-،هذا الأخير الذي يعتبر مصلحة الفرد فوق مصلحة المجتمع، و بالتالي تراجع دور القانون العام، و اقتصر على ضمان مصالح الخواص، كما تراجع دور الدولة من الدولة المتدخّلة إلى الدولة الدر كية التي تحرص على ضمان مصالح أشخاص القانون الخاص و توفير المصالح الاجتماعية.
كل التحولات السابقة تمخّضت عنها عدّة أشكال جديدة للتّسيير كالخوصصة التي بموجبها تفوّت الدولة عن طريق البيع إحدى شركاتها أو مرا فيقها إلى أشخاص القانون الخاص؛ كما برز هناك عدّة أنواع من العقود التي بموجبها تفوّت الدولة أو احد أشخاص القانون العام إلى أشخاص القانون الخاص إحدى المرافق العامة للتسيير لمدة وبشروط معينة، و من بين هذه العقود نجد عقد التدبير المفوض.
و من هنا يمكن أن نطرح الإشكالية التالية: ما هو الإطار العام لعقد التدبير المفوض؟ و هل نجح عقد التدبير المفوض في نموذج RAID طنجة؟ و ما هي الانتقادات الموجهة إلى عقد التدبير المفوض؟
و سنتطرق في عرضنا هذا إلى ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: الإطار العام لعقد التدبير المفوض.
المطلب الأول: مفهوم و خصائص عقد التدبير المفوض.
المطلب الثاني: أسباب ظهور عقود التدبير المفوض و أهدافه.
المبحث الثاني: تطبيقات عقد التدبير المفوض (RAID طنجة نموذجا).
المطلب الأول: الإطار العام لصفقة تفويت RAID طنجة.
المطلب الثاني: أثار عقد التدبير المفوض على شركة "أمانديس"
المبحث الثالث: الانتقادات الموجهة إلى عقد التدبير المفوض.
المطلب الأول: موقف أعضاء البرلمان و صحافة حركة التوحيد و الإصلاح من عقد التدبير المفوض.
المطلب الثاني:موقف اليسار الراديكالي المغربي من عقد التدبير المفوض.
 المبحث الأول: الإطار العام لعقد التدبير المفوض.
يكتسي موضوع عقود التدبير المفوض درجة قصوى من بين مواضيع التي تميز العقود الإدارية، و سنتطرق من خلال هذا الموضوع إلى مفهوم و خصائص عقود التدبير المفوض (المطلب الأول)، أسباب ظهور عقود التدبير المفوض و أهدافه (المطلب الثاني).
المطلب الأول: مفهوم و خصائص عقد التدبير المفوض.
رغم عدم وجود تعريف قانوني إلى مفهوم عقود التدبير المفوض، إلا أن هناك محاولات فقهية لتعريفه، فنجد من يعرفه بأنه "عقد إداري تعهد السلطة المفوّضة للمفوض له، داخل المجال الترابي المحدد في مدار التفويض باستغلاله و تدبير المرفق العام الصناعي و التجاري المحلي لمدة محددة تنتهي بانقضاء مدة العقد"، و يرى جانب آخر من الفقه أنه "كل تدبير لمرفق عام بواسطة شخص معنوي، و تستثني الجماعات العمومية، و المؤسسات العمومية المنظمة للمرفق، و غالبا ما يوكل تفويض تدبير المرافق العامة للخواص"، و يذهب رأي ثالث إلى اعتباره "كطريقة جديدة من بين الطرق المعتمدة...لتسيير المرافق العامة، تتشابه مع عقد الامتياز، و تختلف عنه لان المدة الزمنية لعقد الامتياز تكون أطول، كما أن الملتزم يتعهد بتوفير الأموال و المستخدمين، بينما في عقود التدبير المفوض تبقى التجهيزات في ملكية الإدارة، كما يحتفظ المفوض له بالمستخدمين مع مراعاة حقوقهم".
إذن عقد التدبير المفوض، عقد إداري تتعهد بمقتضاه السلطة العامة المفوّضة لمفوض له داخل المجال الترابي المحدد في مدار التفويض باستغلال و تدبير المرفق العام لمدة محددة تنتهي بانتهاء مدة العقد مع إمكانية تجديد مدته، و ينفرد هذا العقد الإداري بثلاث خصائص أساسية:
1.    الإطار القانوني للاتفاق أو طريقة إبرام العقد، حيث أن إبرام عقود التدبير المفوض يتم وفق آليات مختلفة، عكس عقود الامتياز التي يتم إبرامها بحرية دون أن يلجأ المتعاقدين إلى الإشهار و الإعلان عن المنافسة؛ فقد يلجأ إلى طرق أخرى كالاتفاق المباشر أو عن طريق المباراة أو طلب العروض، وفق المقتضيات التشريعية و التنظيمية المعمول بها في مجال الصفقات العمومية.
2.    المدة الزمنية لعقود التدبير المفوض لتتعدى 30 سنة و لا تقل عن 5 سنوات، عكس عقود الامتياز التي تتراوح بين 5 و 99 سنة؛ و لإنهاء عقود التدبير المفوض، فان إنهاؤها يكون إما بانتهاء مدة العقد، و بالتالي فهذه الطريقة طبيعية، و إما باسترداد المرفق قبل انتهاء مدة العقد، و تجسدت هذه الطريقة الأخيرة عمليا في الفصل 46 من عقد التدبير المفوض مع لاليونيز دي زو الدار البيضاء، و الفصل 70 من عقد التدبير المفوض لريضال الرباط؛ و عليه، فإنهاء عقد التدبير المفوض يتم تحديده بموجب بنود الاتفاقية بين السلطة المفوضة و المفوض له، حيث أن دفتر التحمّلات و دفتر الشروط العامة و الخاصة و الملاحق توضح العلاقة بين الطرفين.
3.    نوع الرقابة المطبقة، تبرز في خضوع عقود التدبير المفوض إلى رقابة المجلس الأعلى للحسابات و المجالس الجهوية و لجان الضبط و لآليات الإفتحاص الخارجي و التدقيق بمبادرة من وزيري الداخلية و المالية، عكس الأشكال التقليدية لتدبير المرافق العامة كالامتياز التي تخضع من حيث مراقبتها لمقتضيات ظهير 14 ابريل 1960 الخاص بالرقابة المالية للدولة على المؤسسات العامة و الشركات ذات الامتياز، و الهيئات المستفيدة من الدعم العمومي المالي؛ و هذا الشكل من التدبير الحديثة تعطي له المؤسسات المالية و الاقتصادية الدولية (قنوات التبعية) أهمية خاصة عن طريق الدعم اللامشروط، كالبنك الدولي و صندوق النقد الدولي.
المطلب الثاني: أسباب ظهور عقود التدبير المفوض و أهدافه.
ساعدت الوضعية المالية المتردية للمكتب المستقل لتوزيع الماء و الكهرباء، التي تسبب فيها سوء التسيير الإداري، إلى ظهور التدبير المفوض في المغرب، انطلاقا من الدار البيضاء،ومرورا بالرباط، و طنجة، ثم تعميمها على جل الوكالات الوطنية؛ و لم يقتصر التدبير المفوض على قطاع الماء و الكهرباء، بل تعداه إلى قطاع التطهير، و جمع النفايات، و النقل الحضري، و غير ذلك من المرافق العمومية...
فإذا عدنا للمكتب المستقل لتوزيع الماء و الكهرباء، فنلاحظ عجزه عن تغطية الأنشطة الموكولة إليه، رغم الإصلاحات، و يعود سبب ذلك إلى:
•    عدم استقلالية المكتب إداريا و ماليا، حيث أن الرقابة الممارسة من طرف وزارتي الداخلية و المالية تحول دون اتخاذ القرارات الملائمة.
•    اكتفاء المجلس الإداري بالمشاكل القانونية و المالية، و انحرافه عن القضايا الأساسية و الهيكلية.
•    التدابير المتخذة عجزت عن تحقيق الأهداف المرسومة، نظرا لانعدام الوعي بالشؤون المحلية و تجاهل المشاكل الحقيقية.
•    تهميش الموارد البشرية، سواء من حيث إعداد هيكل تنظيمي يأخذ بعين الاعتبار الجدارة في تقلد المناصب، أو من حيث منح حوافز مادية لتشجيع المستخدمين للرفع من معنوياتهم.
•    ضعف المراقبة الداخلية، بسبب ضعف التنسيق بين المصالح، و انعدام العلاقات الإنسانية، و الشفافية.
•    مرور المكتب من ضائقة مالية خانقة، و تراكم الفاتورات المستحقة بسبب الاستهلاك، سواء الباقية على عاتق الإدارات العمومية، و الجماعات المحلية، و المؤسسات الصناعية، أو المشتركين الخواص؛ و تراكم الديون، و ظهور عجز مالي كبير.
•    ارتفاع تكاليف التجهيزات و صيانتها، مما أدى إلى تعدد الأعطاب، و كثرت بالتالي الاحتجاجات بسبب رداءة الخدمات.
لكن هذه الأسباب و العوامل، لم تقتصر على المكتب المستقل للماء و الكهرباء، بل إن هناك العديد من المرافق العمومية، كانت لها نفس المشاكل، كالوكالات المستقلة للنقل الحضري، ومرفق جمع النفايات، و غيرها من المرافق العمومية...
جميع الأسباب السالفة الذكر، عجلت بتطبيق عقود التدبير المفوض، لأنها تتناسب مع التحولات الجديدة، في الوقت الذي عجزت فيه الطرق التقليدية عن تحقيق الفعالية، و مواكبة التغيرات و التحولات.
كان اللجوء إلى عقود التدبير المفوض، بسبب تحديث الإدارة، و توفير المناخ اللازم لتفادي الأزمات المتعددة و المتنوعة، و كان لعقود التدبير المفوض عدة أهداف منها:
1.    أهداف قانونية: لقد استخدم مصطلح "التدبير المفوض" في فرنسا بشكل رسمي، من خلال قانون 6 فبراير 1992، المتعلق بالإدارة الترابية للجمهورية، و بالتالي فهذا المصطلح عام، و يعني كل أشكال التعاقد مع الخواص، كعقود الامتياز و الإنابة، إلا أن الجديد فيه هو على مستوى الإصلاحات فقط. و طبق في المغرب في المرة الأولى، في الاتفاقية المبرمة بين المجموعة الحضرية للدار البيضاء، و الشركة الفرنسية LYONNAISE DES EAUX بتاريخ 28/04/1997، مما أدى إلى خلق فراغ تشريعي، لانعدام إطار قانوني شفاف للعقود مع الخواص في إطار تفويضه تسيير احد مرافقها إلى شخص خاص. فشكلت الحكومة لجنة وزارية في فبراير 1999، عهد إليها مهمة صياغة و بلورة إطار قانوني شامل لجميع أشكال التسيير المفوض، يستطيع تجاوز كل الصعوبات المضعفة لمساهمة الفاعلين الاقتصاديين المغاربة و الأجانب، لتؤدي المرافق العمومية الخدمات في الوقت المناسب و الجودة الممكنة، بفضل التطور التكنولوجي ووجود التقنيات الحديثة؛ كما يجب على الإدارة، باعتبارها صاحبة المشروع، أن تستخدم الامتيازات التي تملكها بشكل يضمن تحسين العلاقة بينها و بين الخواص، و تشجعهم على استثمار أموالهم في القطاعات العمومية. إذن الإدارة ملزمة بوضع إطار قانوني عام، يبين الحقوق و الالتزامات المتبادلة بين المفوض و المفوض له، و يجب أن يكون قادر على توسيع نطاق تطبيق أسلوب التدبير المفوض، و يجب مراعاة عدة اعتبارات عند صياغة الإطار القانوني: توضيح المزايا الواسعة للتعاقد و تقليص الأعباء الموضوعة على عاتق الخواص– توضيح الامتيازات المخولة للإدارة و الشروط اللازمة لاستخدامها- تعيين الحقوق و الواجبات المتبادلة بين الأطراف- الدقة في تحرير النصوص لتفادي التأويلات المتناقضة- إعطاء الفرصة للقضاء للتدخل لملء الفراغ الذي تكشفه الممارسة العملية- مراعاة حقوق المستخدمين التابعين للمتعاقد المكلف بتسيير المرفق.
2.    أهداف اقتصادية: لقد ساهمت التحولات التي عرفها العالم، و المتمثلة فيما يعرف بالعولمة سواء الاقتصادية، أو المالية، أو الاجتماعية، أو الثقافية، أو السياسية؛ في جعل المغرب مطالبا أكثر بتحسين موقعه و مكانته، لتلميع صورته داخليّا و خارجيّا، و بالتالي كان يجب على المغرب البحث عن مستثمرين جدد، و منحهم تشجيعات لاستقطابهم، و يتوفر المغرب على المعطيات الضرورية لتشجيع الاستثمار، كما انه لابد من التعجيل بإصدار المزيد من الإصلاحات و الضمانات الواردة في هذا الشأن مثل: تبسيط الإجراءات و إحداث الشباك الوحيد لمخاطبة المستثمر- تعديل بعض النصوص القانونية مثل مدونة الشغل- تفعيل المنازعات القضائية و التعجيل بصدور الأحكام و تنفيذها- الصرامة في تطبيق مبدأ المساواة بين المستثمرين و ضمان حياد الدولة- فسح المجال للمنافسة عند إبرام العقد.
3.    أهداف اجتماعية: ضمانا لاستقرار المستخدمين، عمدت بعض الشركات المفوض لها تسيير بعض المرافق العامة، على تطبيق النظام القانوني الذي كان يسري في تلك المرافق خلال الفترة السابقة، قبل التدبير المفوض، و قد وردت قواعد هذا النظام في مرسوم 14/11/1963، الذي حدد الشروط العامة للتوظيف في هذه المؤسسات؛ و هكذا فالدولة تتدخل لإلزام المتعاقدين على احترام قانون الشغل، و الاتفاقيات الجماعية.
المبحث الثاني: تطبيقات عقد التدبير المفوض (RAID طنجة نموذجا).
سنحاول من خلال الحديث عن تطبيقات عقد التدبير المفوض، التطرق إلى نموذج RAID طنجة، حيث سنتطرق إلى الإطار العام لصفقة RAID طنجة (المطلب الأول)، و أثار عقد التدبير المفوض في شركة أمانديس (المطلب الثاني).
المطلب الأول: الإطار العام لصفقة تفويت  RAID طنجة.
لقد كان التدبير المفوض موضوعا لطلب عروض دولي، حيث تقدمت مجموعة من الشركات متعددة الجنسية، و الشركات الوطنية الخاصة، بملفاتها للمشاركة في طلب العروض هذا؛ و من أجل هذا الغرض قامت المجموعة الحضرية لتوزيع الماء و الكهرباء بولاية طنجة، بوضع جدول لزيارة مجموعة من الشركات، ابتداء من تاريخ 10 يونيو إلى 20 غشت 1999، و كان برنامج الزيارة كالتالي:
•    من 14 إلى 18 يونيو 1999: زيارة كل من شركة:AZURIX- ENRON -SEPROB.
•    من 21 إلى 25 يونيو 1999: زيارة كل من شركة:CMS ENERGY- THAMES WATER.
•    من 28 يونيو إلى 02 يوليو 1999: زيارة كل من شركة:ENTREPRISES ACEA.
•    من 05 إلى 09 يوليو 1999: زيارة كل من شركة:INTERNATIONAL WATER.
•    من 12 إلى 16 يوليو 1999: زيارة كل من شركة:SUEZ- LYONNAISE DES EAUX.
•    من 19 إلى 23 يوليو 1999: زيارة كل من شركة:WATER MAROC SA.
•    من 26 إلى 30 يوليو 1999: زيارة كل من شركة:INDESSA INTERNATIONAL – FERROVIAL SERVICIOS.
•    من 02 إلى 06 غشت 1999: زيارة كل من شركة:GENERAL DES EAUX-VIVANDI – HIDRO QUEBEC - ONA  .
بعد سنتين من التحري و العمل -أشرفت لجنة من وزارة الداخلية على ذلك-،رست الصفقة على شركة المياه و الكهرباء بالشمال، و هي شركة مساهمة خاضعة للقانون الخاص المغربي، رأسمالها 800 مليون درهم، وتهدف لتوزيع الكهرباء و الماء و تستغل قطاع التطهير السائل.
وتتكون هذه المجموعة من الشركات التالية:
•    شركة أونا: خاضعة للقانون المغربي، و هي أول مجموعة صناعية و مالية بالمغرب.
•    شركة صوميد: خاضعة للقانون المغربي، و هي شركة إماراتية لها أنشطة متعددة في المغرب، مثل السياحة، الصيد، و المال...
•    شركة فيفاندي انيفرسال: شركة مساهمة خاضعة للقانون الفرنسي، رقم 1 عالميا في مجال البيئة، بلغ رقم معاملاتها 26.5 مليون أورو سنة 2000، و لها أنشطة متنوعة تستثمر فيها عن طريق فروعها التالية: فيفاندي واطر (الماء و التطهير)- دالكيا (خدمات الطاقة)- أونيكس- كونيكس (نقل المسافرين).
•    شركة هيدروك كيبك الدولية: خاضعة لقانون كيبك، الأولى في مجال الكهرباء بكندا، أنشطتها متنوعة كذلك و تشمل البناء، دراسة إدارة البنى التحتية المتعلقة بإنتاج و توزيع الكهرباء.
دخلت هذه الاتفاقية حيز التنفيذ في 01 يناير 2002، و قد وقعت من طرف الجماعات التالية:
1.    المجموعة الحضرية لطنجة.
2.    المجموعة الحضرية لتطوان.
3.    بلدية أصيلة.
4.    الجماعة القروية أقواس برييش.
5.    الجماعة القروية الخلوة.
6.    الجماعة القروية بوخالف.
7.    الجماعة القروية العوامة.
8.    الجماعة القروية البحراويين.
انطلاقا من الاتفاقية المبرمة بين السلطة المفوضة و المفوض له، فالنظام العام للتدبير المفوض في هذه الحالة، يتكون بالإضافة إلى الاتفاقية من مجموعة من الملاحق، بما فيها دفتر التحملات، إلا انه في حالة حصول خلاف بين الطرفين، فان الاتفاقية هي التي ترجح على باقي الوثائق.
تنص الاتفاقية أن الأهداف الأساسية و المشتركة للتدبير المفوض لمرافق توزيع الماء و الكهرباء و التطهير السائل هي:
•    الحصول على اقل أسعار ممكنة للماء الشروب و الطاقة الكهربائية و التطهير السائل.
•    التمويل الذاتي و التوازن الاقتصادي و المالي للمرافق المفوضة.
•    الزيادة التدريجية في نسبة الربط و الإيصال لمستعملي المرافق الثلاثة.
•    الجودة التقنية للخدمات و تسييرها الإداري و التجاري الجيد.
•    الجودة التقنية و الاحتفاظ بالتجهيزات و المنشئات المخصصة للمرافق المفوضة في حالة جيدة.
•    التسيير المتناسق للموارد البشرية.
و تنص الاتفاقية قي فصلها الثاني على أن موضوعها هو تحديد السلطة المفوضة للمفوض له شروط و كيفيات التدبير المفوض لاستغلال المرافق المفوضة بمدار التفويض.
كما ينص الفصل الثالث من الاتفاقية على أنه يلتزم الطرفان، كل فيما يعنيه، بتنفيذ الاتفاقية ضمن احترام التوازن الاقتصادي و المالي للتدبير المفوض، و كذا احترام المبادئ الأساسية للاستمرار و قابلية التكيف و كذا المساواة في معاملة المستعملين.
و من المعلوم أن المرافق المقصودة في العقد هي: التقاط و جلب و معالجة المياه الصالحة للشرب الآتية من العيون و المياه الجوفية و الأثقاب التي يستعملها المفوض له- توزيع الماء الصالح للشرب- توزيع الطاقة الكهربائية- مرفق التطهير السائل.
و على المفوض له تسيير و استغلال المفوضة بنفسه، و لا يمكن له تحت طائلة السقوط، تفويت جزءا أو كلا من الحقوق الناشئة عن الاتفاقية، و لا أن يحل محله الغير من تلقاء نفسه.
كما تحدد الاتفاقية مدة العقد في 25 سنة، ابتداء من تاريخ دخوله حيز التنفيذ، و يعد تاريخ انتهاء هذه المدة هو تاريخ انقضاء هذا العقد بصفة عادية.
و تحتوي الاتفاقية فيما يخص النظام العام للتدبير على مجموعة من المقتضيات تتحدث عن ممتلكات التدبير المفوض، والتي تم تقسيمها إلى ممتلكات مستعادة و أخرى مأخوذة؛ ففيما يخص الأولى هي التي "تعاد لزوما للسلطة المفوضة عند انقضاء مدة التدبير المفوض، و هذه الممتلكات هي ملك للسلطة المفوضة، لا يجوز التصرف فيها و لا يمكن أن يكون موضوع تفويت أو ضمانات أو بيع أو إيجار من طرف المفوض له أو السلطة المفوضة طيلة مدة التدبير المفوض، و تشمل خصوصا المنشئات و القنوات و الأجهزة و الأراضي و المباني".
أما الممتلكات المأخوذة، فإنه "باستثناء الممتلكات المستعادة المبينة في الفصول من 9 إلى 12، فإن الممتلكات المنقولة التي تم شراؤها أو تكوينها من طرف المفوض له لغرض استغلال المرافق المفوضة وحده، تكون حسب مفهوم العقد ممتلكات مأخوذة"، و هذه الممتلكات يمكن أن تصبح عند نهاية الاستغلال، ملكا للسلطة المفوضة، و تشمل على الخصوص السيارات، و الآليات، و الأدوات، و أثاث المكتب، و المعدات المعلوماتية، و المخزونات، و غيرها من الممتلكات المنقولة المستخدمة في إطار استغلال المرافق المفوضة، غير التي تكون ممتلكات مستعادة.
المطلب الثاني: أثار عقد التدبير المفوض على شركة "أمانديس"
تتمتع السلطة المفوضة بمجموعة من الحقوق في مواجهة المفوض له، إلا أن أهم حق يتجلى في المراقبة التي يمكن أن تمارسها على المفوض له، و عليه فإنه من خلال بنود العقد، يمكن تمييز الرقابة التي تمارسها سلطة الوصاية، و التي تتمثل -حسب الفصل 51- في كون أن "المفوض له ملزوم بإعطاء السلطة الوصية نسخة من الوثائق، و التقارير التقنية، و المالية، و المحاسباتية، و الاقتصادية، و غيرها، المقدمة للسلطة الوصية...".
و أهم رقابة هي تلك التي تمارسها السلطة المفوضة، إذ أن مراقبتها تشمل بداية، كيفية ممارسة و مراقبة تسيير و استغلال المفوض له للمرافق المفوضة، أي مراقبة التسيير و الاستغلال، و ذلك ضمن احترام المقتضيات التشريعية و التنظيمية الجاري بها العمل، كما أنه يمكن لها أن تفوض مراقبتها، كليا أو جزئيا لشخص أو عدة أشخاص، كما يمكن لها اللجوء للخبرة الخارجية كلما رأت ذلك ضروريا.
و تهدف هذه الرقابة إلى أن تقف السلطة المفوضة على الوثائق، وفي عين المكان، على مدى احترام المفوض له لالتزاماته برسم العقد، و خصوصا أهداف الإنجازات التقنية، و التجارية، و المالية، و في هذا الصدد على المفوض له أن يقدم لها الوثائق المحاسبية، و التقنية، و غيرها...، و أن يمكنها من الإطلاع في عين المكان على الوثائق و التقييدات المتعلقة بالمرافق المفوضة.
و في نفس الإطار تنص الاتفاقية على أن تؤسس لجنة للتتبع برأسة رئيس المجموعة الحضرية –الآن رئيس مجلس المدينة- مكلفة بتتبع تنفيذ العقد، و تتكون من 6 أعضاء يمثلون السلطة المفوضة، و عضوين يمثلان السلطة الوصية، و 6 أعضاء يمثلون المفوض له، هذه اللجنة لها أن تعطي رأيها، و تصدر توصيات و توجيهات في جوانب محددة، كما لها أن تقرر في أمور أخرى محددة كذلك في بنود العقد.
كما توجد لجن محلية دائمة لمراقبة التسيير و الاستغلال، يتم تعيينها من طرف السلطة المفوضة.
في مقابل الحقوق و الالتزامات التي تتمتع بها السلطة المفوضة، فإن الشركة المفوض لها –أمانديس- تتحمل مجموعة من الالتزامات، التي يمكن إجمالها فيما يلي:
•    احترام المبادئ الأساسية للمرافق العامة، و المتمثلة في ضمان سير المرافق المفوضة بانتظام و اطراد، و تكييف المرافق المفوضة مع المتطلبات الجديدة للصالح العام كلما اقتضى الأمر ذلك، و ضمان المساواة لمستعملي المرافق سواء فيما يخص الخدمات أو المعاملة.
•    إنجاز الأشغال اللازمة –ضمن الشروط المالية المنصوص غليها في العقد، و بمبادرة منه- للاستغلال الجيد و لتكييف و توسيع المرافق المفوضة، بما يتطلبه ذلك من صيانة للمنشئات سواء المستعادة أو المأخوذة.
•    هامش ربح المفوض له، و معناه أنه "عند نهاية كل سنة مالية و عند تحقيق نتيجة محاسبية صافية إيجابية، إذا كان نسبة الفائض الإجمالي للاستغلال و رقم معاملات التدبير المفوض، المحقق خلال السنة المالية و المحسوب طبقا للتنظيم المغربي، يتجاوز النسبة المبينة في جدول الملحق 5 المتعلق بالانعكاسات المالية للتدبير المفوض للمرفق بالنسبة للسنة المالية المعنية، يدفع المفوض له للسلطة المفوضة 50% من هذا التجاوز مضروبا في رقم معاملات التدبير المفوض المحقق خلال السنة المالية المعنية".
•    المفوض له هو المسؤول الوحيد عن سير المرافق المفوضة التي يقوم بتدبيرها و استغلالها، مع تحمل أخطار و مخاطر ذلك طبقا للعقد.
و هناك العديد من الالتزامات الأخرى يمكن الإطلاع عليها في الملحق.
كما للشركة حقوقا و صلاحيات مهمة، و كأصل عام تتمتع الشركة المفوض لها بحق استغلال المرافق المفوضة إلى غاية انتهاء المدة المحددة في العقد -25 سنة-، و بالتالي للشركة وحدها حق تدبير المرافق المفوضة، مما ينتج عنه التزام السلطة المفوضة بعدم منح أي ترخيص إداري أو غيره من شأنه أن يحد أو يمنع ممارسة المفوض له لحقه في أن يستغل المرافق المفوضة وحده دون غيره.
و للشركة صلاحيات متنوعة، منها أنه يمكنها إنجاز بعض الأشغال المذكورة في الفصل 18، و بتفويض من السلطة المفوضة، و علم المعني بالأمر بذلك، غير أنه لا يمكن القيام بهذه العمليات إلا إذا كانت ضرورية لإنجاز الأشغال، ووفقا للمقتضيات التشريعية و التنظيمية الجاري بها العمل، و تتمثل هذه الأعمال مثلا في تشذيب أو نزع الأغصان، قطع الأشجار و الشجيرات الواقعة بأرض المعني بالأمر/الغير.
و يشكل نظام المستخدمين أهمية كبرى في الاتفاقية، حيث تنص على أن "يلتزم المفوض له بأخذ كافة المستخدمين النظاميين و الملحقين و المؤقتين و الدائمين المنتمين للوكالة عند الدخول حيز التنفيذ".
كما أنه على المفوض له أن يضمن للمستخدمين، على الأقل الحقوق اللازمة، و شروط الأجر , و الامتيازات المكتسبة يوم إمضاء العقد، و باقي الحقوق الأخرى، مثل التعويضات، و التقاعد، و التغطية الاجتماعية، و غيرها حسب النظام الأساسي لمستخدمي مقاولات إنتاج و نقل و توزيع الكهرباء بالمغرب.
و على المفوض له أن يخلق وظائف جديدة تبعا لنمو المرافق المفوضة، كما عليه أن يضع برنامجا سنويا للتكوين و التكوين المستمر.
و يمكن للمفوض له أن يستعين بخدمات مستخدمين أجانب ملحقين، كما أنه على الشركة أن تستبدل هؤلاء بمستخدمين مغاربة لهم نفس الكفاءات، كلما أمكن ذلك.
كما تقسم الاتفاقية طرق تسوية النزاعات إلى ثلاث:
1.    المصالحة الأولية: حيث يبذل الطرفان قصارى جهودهما من أجل التسوية الودية لكل خلاف قد ينجم عن تنفيذ العقد. و إذا تعذر التوصل إلى تسوية ودية خلال 30 يوما، فإن النزاعات يتم عرضها بمبادرة الطرف صاحب المصلحة في التعجيل على السلطة الوصية، لكي تقترح داخل أجل 90 يوما حلا يراعي المصلحة المتبادلة للطرفين.
2.    الفصل في المنازعات: بحيث إذا لم يفض اللجوء إلى السلطة الوصية إلى التسوية المتوخاة، فإن المنازعات المتعلقة بتسيير المرافق المفوضة تتم تسويتها من طرف المحاكم المغربية بطنجة دون غيرها.
3.    تحكيم المركز الدولي لتسوية الخلافات المتعلقة بالاستثماراتCIRDI: بحيث أنه إذا ما لم يتم تمديد هذا الأجل باتفاق الطرفين، فإن المنازعات حول أمر محددة يتم اللجوء فيها للمركز المذكور (الفصل 83، النقطة الثالثة).
المبحث الثالث: الانتقادات الموجهة إلى عقد التدبير المفوض.
لقد تنوعت الانتقادات الموجهة لعقود التدبير المفوض و تعددت، بين الموافق عليها و المعارض لها، ومن بين المواقف هناك موقف البرلمان و صحافة التوحيد و الإصلاح (المطلب الأول)، و موقف اليسار الراديكالي (المطلب الثاني).
المطلب الأول: موقف أعضاء البرلمان و صحافة حركة التوحيد و الإصلاح من عقد التدبير المفوض.
لقد عقد مجلس النواب يوم 24 صفر 1423 الموافق 08 ماي 2002، جلسة 285 من دورة أبريل  2002 من السنة التشريعية الخامسة من الولاية التشريعية الخامسة، التي خصصت للأسئلة الشفوية، وتمحور تدخل النواب العربي السالمي، إبراهيم مزوز، وعبد اللطيف الجراري حول تفويض شركة ريضال و تفويتها لمجموعة فيفاندي، و أكد وزير الداخلية أن عملية التفويت ستتم في إطار الشفافية بعد ترخيص الجماعات المحلية المعنية.
كما تدخل النواب عبد السلام الخباز، حسن شهبي، المسعودي العياشي،ومصطفى الغزوي، و احمد المقدم، محمد الطيبي، عبد الوهاب بنطالب، وعبد الناصر الحسيسن، الارتفاعات غير العادية في أثمان الماء والكهرباء، وأكد وزير الداخلية أن التعريفة المطبقة من طرف الشركات العاملة في الدار البيضاء والرباط وطنجة وتطوان هي تعريفة تعاقدية، وأكد النواب أن الشركات لا تحترم الشروط الواردة في دفتر التحملات بخصوص الزيادة، وبان المواطن يؤدي ثمن أخطاء الوكالة مؤكدا على ضرورة الرأفة بالفقراء.
كما عقد مجلس النواب يوم  25 جمادى الأولى 1423 الموافق 05 غشت 2002 الجلسة 306، لمناقشة تصريح الوزير الأول الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي حول حصيلة العمل الحكومي، فكان تدخل السيد النائب الطيب بن الشيخ (رئيس فريق التجمع الوطني للأحرار) كالتالي: " ولقد أشرتم، السيد الوزير الأول، في خطابكم أن ثمن الطاقة الكهربائية قد عرف تخفيضا بنسبة 11 % ثم بنسبة 17 % تبعا للخطاب الملكي، وذلك دعما لتأهيل المقاولات المغربية للتنافس مع نظيراتها في الخارج، ونحن نصفق لهذا القرار، لكن لابد أن نتساءل : لماذا كان المكتب الوطني للكهرباء يحتفظ بتكلفة تفوق ما يناهز 30 % التكلفة الممكنة – كانت هذه الحالة ممكنة، ولازالت، مادام المكتب يتمتع بالاحتكار . فمن الواجب تحرير قطاع الكهرباء ليسمح للمقاولات المغربية أن تنافس المقاولات في البلدان المجاورة على قدم المساواة – وهذا ملف تحت الدرس منذ أن شرعت الحكومة الحالية في عملها، وليس هذا القطاع الوحيد الذي يشكو من الاحتكار، لماذا انتظرنا هذه المدة ؟ مع العلم أن الكل متفق على أن هذا الاحتكار يجب أن يوضع له حد"، و استرسل متدخلا "تعديل المسطرة المطبقة على ممتلكات الجماعات المحلية، وتبسيط الإجراءات لتسهيل العمليات العقارية المشتركة مع القطاع الخاص، أو حتى مع الدولة . لا يمكن للجماعات المحلية أن تقوم الآن بمشاريع في هذا الميدان بسهولة"، ثم أضاف " إحداث قانون للتدبير المفوض la concession ، حنا خدامين فيها الآن وليس هناك قانون وإشراك القطاع الخاص المغربي في هذا التدبير المفوض.
الآن التدبير المفوض لجمع الأزبال تقوم به شركات أجنبية في المغرب بكامله، أنا أظن بأنه القطاع الخاص المغربي يمكنه أن يقوم بهذا العمل وأن يستفيد هو من هذه العملية…إلى أخره من الإصلاحات الضرورية قبل تجديد المجالس المحلية لسنة 2003".
كما أكدت جريدة التجديد الناطقة باسم حركة التوحيد و الإصلاح على أسفها لاستنجادنا بالفرنسيين و الأسبان ليجمعوا أزبالنا، و يجلبوا لنا الماء من أنهارنا و عيوننا، لأننا فشلنا في تسيير قنوات المياه و عداداتها، كذلك الأمر للكهرباء، كما دقت ناقوس الخطر إن استمر الأمر كذلك، و من تم فعلى المفوض له أن يوقع لنا على شواهد الازدياد و الوفاة...
المطلب الثاني:موقف اليسار الراديكالي المغربي من عقد التدبير المفوض.
لقد بين إدريس ولد القابلة دور التدبير المفوض في تكريس سياسة الخوصصة حيث اعبر أنه " في إطار منحى خوصصة جملة من وحدات القطاع العمومي بالمغرب، يشكل التدبير المنتدب و منح الامتيازات إحدى السبل لتكريس هذه الخوصصة(الخصخصة) لاسيما و أن قانون الجماعات المحلية ينص على سيادة كل مجلس جماعي في أن يقرر في طرق تدبير المرافق العمومية الجماعية عن طريق الوكالة المباشرة و الوكالة المستقلة و الامتياز، و كل طريقة أخرى من طرق التدبير المفوض (المنتدب) للمرافق العمومية طبقا للقوانين و الأنظمة المعمول بها. إلا أنه في واقع الأمر لا وجود إلى حد الآن لتلك القوانين "المعمول بها" و لتلك الأنظمة في نص قابل للتطبيق. و بذلك ظلت الترسانة القانونية للتدبير المنتدب و الامتياز مبتورة. علما أنه الآن جملة من المدن المغربية تسعى لمنح تدبير مرافقها العمومية للخواص مغاربة أو أجانب. و الحالة هذه فان الغموض يظل سيد الموقف، و من المعلوم أن الغموض لا ينتج إلا الشبهات، و هذا يتناقض مع مبدأ دولة الحق و القانون و مع مبدأ الشفافية الذي هو من الدعائم الأساسية لتلك الدولة و للديموقراطية.
و التدبير المنتدب (المفوض) يدخل في إطار سياسة الخوصصة (الخصخصة) التي انتهجها المغرب منذ سنوات، و هي سياسة تعهد إلى القطاع الخاص تسيير المرافق العامة في المجال الصناعي و التجاري و المرافق العامة. و التسيير المنتدب هو أسلوب قانوني تعاقدي بين طرفين أو أكثر يهدف إلى خوصصة تدبير المرفق العام من قبل شركة خاصة لمدة محدودة محددة، و يعتبر هذا العقد عقدا إداريا و يتم اختيار الشركة صاحبة التفويض دون اللجوء إلى الصفقات العمومية.
إلا أن موضوع منح الامتياز غير منصوص عليه في الدستور المغربي، إذ لم ينص الفصل 46 منه إلا على الخوصصة (الخصخصة)، و بذلك فهو يدخل في نطاق المجال التنظيمي، لذا يكون منح الامتياز بشأن المرافق العمومية الوطنية من اختصاص الوزير الأول و يتم بمرسوم صادر عنه. أما منح الامتياز من طرف المجالس الجماعية فيتم بمقرر يصادق عليه المجلس حسب الفصل 39 من القانون المذكور أعلاه.
و النهج الذي اتبعه المغرب في هذا المجال هو منقول عن النموذج الفرنسي، إذ نشأت فكرة الامتياز عن مذهب الاقتصاد الحر الذي ساد بفرنسا خلال القرن التاسع عشر، و الذي ساعد الدولة الفرنسية على منح امتيازات في جملة من القطاعات (النقل السككي، توزيع الكهرباء و الغاز و توزيع الماء الشروب، النقل الطرقي...). إلا أنه بعد الأزمة الاقتصادية لسنة 1929، و لاسيما بعد الحرب العالمية الثانية، تقلصت سيطرة الرأسمالية و بذلك تم تسجيل تراجعا في تسيير المرافق العامة اعتمادا على منح الامتيازات إذ نهجت الدولة الفرنسية سياسة التأميم، و ذلك كرد فعل لاحتكار بعض الأنشطة الحيوية من طرف الرأسمال الخاص. إلا أنه في بداية ثمانينات القرن الماضي تغير التوجه من جديد، إذ صدرت قوانين تبيح اللجوء مجددا إلى أسلوب الامتياز في تسيير و تدبير المرافق العمومية.
أما بالنسبة للمغرب، و ابتدءا من سنة 1906 (تاريخ التوقيع على معاهدة الجزيرة الخضراء المهيئة لاحتلال البلاد) عمدت السلطات العمومية المغربية آنذاك إلى منح امتيازات مرفقية إلى الأجانب، إلا أنه مع توقيع معاهدة الحماية في مارس 1912 فقدت الحكومة المغربية _ في ظل الحماية- سلطتها في إبرام عقود الامتياز المرتبطة بتسيير و تدبير المرافق العمومية بالمغرب المستعمر. و هكذا استفاد القطاع الخاص الفرنسي آنذاك من امتيازات في تسيير قطاع الطاقة و النقل السككي و استغلال الموانئ و غيرها من القطاعات الحيوية. لكن بعد حصول المغرب على الاستقلال استرجعت السلطات المغربية مختلف تلك الامتيازات التي كانت في حوزة الأجانب و تقرر التخلي عن أسلوب الامتيازات إلى حدود سنة 1985. و مع استفحال أزمة النقل الحضري بالمدن المغربية الكبرى تقرر السماح للقطاع الخاص بتسيير و تدبير النقل الحضري و وصل عدد الشركات صاحبة الامتياز سنة 1953 إلى أكثر من 50 شركة، إذ تعهدت باستغلال هذا المرفق العام بأموالها و تجهيزاتها و معداتها و تحت مسؤولياتها و ذلك من أجل تحقيق المصلحة و الربح الأكيد.
و قد أريد بهذا النهج تشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في التجهيزات الأساسية و في التسيير و التدبير المنتدب (المفوض) للمرافق العمومية بكيفية تسمح في ذات الوقت بدعم توسع القطاع الخاص الوطني و جلب استثمارات أجنبية إلى المغرب و رفع فعالية تلك المرافق العمومية موضوع الامتيازات. و ذلك لاسيما و أن تجربة الدولة في تسيير و تدبير أغلب المرافق العمومية لم يرقيا إلى مستوى المر دودية الضامنة للاستمرارية بفعل غياب ترشيد النفقات و غياب الرقابة الشعبية الحقيقية في هذا المجال. علاوة على أن خدمات المرافق العمومية لم تعرف إلا التدهور و التدني المستمر سنة تلوالاخرى، الشيء الذي أبان و بجلاء عن فشل الدولة في الاستجابة لحاجيات المواطنين من خدمات تلك المرافق العمومية، خصوصا و أن الجانب الاجتماعي و قطاعات الخدمات العمومية ظلت الضحايا الأولى و بامتياز لتطبيق سياسات تقليص العجز المالي".
كما نظمت جريدة النهج الديموقراطي في صبيحة يوم السبت 15 يناير 2005 ندوة خصصت موضوعها لقضايا نهب وتبذير المال العام في المغرب، وقد كلف بالتسيير عبد السلام أديب وبوضع تقرير للندوة سعيد خير الله بينما شارك في محاور الندوة كل من الأستاذ عبد الخالق بنزكري أستاذ الاقتصاد والناشط الحقوقي والسيد محمد طارق منسق الهيئة الوطنية لحماية المال العام والأستاذ علي أفقير أستاذ الاقتصاد والتسيير والسيد عزيز لطرش عضو جمعية الوفاء للديموقراطية والسيد محمد هاكش عضو الجامعة الوطنية للقطاع الفلاحي، و كان التدخل كالتالي: فقد استهل الندوة عزيز لطرش حيث اعتبر أن الصفقات العمومية و خصوصا التدبير المفوض يساهم في الاختلاسات، لكن بطريقة غير مباشرة، كما اعتبر أن التدبير المفوض هو صورة من صور الرأسمالية الموحشة، كما أن طريقة تفويت المرافق العامة يشوبها نوع من الخروقات، و أعتبر أيضا أن المديونية الخارجية تساهم في وحشية الشركات المفوض لها.
لقد اعتبرت جريدة المناضل(ة) في موضوع "الوجه الاجتماعي لسياسة الدولة في ميزانية 2005"، أن المواطن المغربي يعيش و يعمل من أجل توفير ميزانية الماء و الكهرباء، مقابل تنازله عن أدنى شروط العيش الكريم، و اعتبرت ذلك انتحارا بطيئا لإرادة المواطن.
المراجع المعتمدة:
1.    التدبير المفوض، المغرب الإداري لمحمد يحيا، طبعة 2005، مطبعة ووراقة اسبارطيل بطنجة، الصفحة:350-355.
2.    التدبير المفوض، الوجيز في قانون المرافق العمومية الكبرى لعبد الله حداد، طبعة أكتوبر 2001، الطبع بمنشورات عكاظ بالرباط، الصفحة: 152-158.
3.    مرسوم 30 دجنبر 1998 الخاص بالصفقات العمومية للدولة.
4.    محمد الأعرج، طرق تدبير المرافق العامة، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية، مواضيع الساعة، العدد 51/2004.
5.    صفقة التدبير المفوض لتوزيع الماء و الكهرباء و التطهير السائل بولاية طنجة، عرض من إعداد الطالب محمد ياسين العشاب، عرض في السنة الثانية من سلك دبلوم الدراسات المعمقة، تخصص الإدارة و التنمية.
6.    ملخص محضر الجلسة 285 من دورة أبريل 2002، من السنة التشريعية الخامسة 2001/2002، الولاية التشريعية السادسة 1997/2002.
7.    محضر الجلسة 306، من السنة التشريعية الخامسة 2001/2002، الولاية التشريعية السادسة 1997/2002.
8.    جريدة التجديد، من الصحافة العربية، السنة السابعة - العدد 2229 - السبت 19ربيع الثاني 1426 الموافق 28/05/2005، al-vefagh@al-vefagh.com.
9.    الجماعات المحلية و تسيير الشأن العام بالمغرب –التدبير المنتدب و الامتياز نموذجا-، إدريس ولد القابلة okdriss@hotmail.com، الحوار المتمدن - العدد: 666 - 2003 / 11 / 28
10.    نهب وتبذير المال العام في المغرب، عبد السلام أديب، adib@db.mfie.gov.ma، الحوار المتمدن - العدد: 1151 - 2005 / 3 / 29
11.    الوجه الاجتماعي لسياسة الدولة في ميزانية 2005، السبت 15 يناير2005 ، المناضل-ة عدد: 4
navright