2012/04/15

طرق تسيير المرفق العام عن طريق الوكالة


مـــقــدمـــة
أصبحت الإدارة مسألة ضرورية لكل أنواع الجماعات والمنظمات مهما اختلفت أشكالها وظروفها، لأن الجهد الجماعي لا يتم على أفضل وجه إلا بها، وتتلخص وظيفتها في السهر على تنفيذ القانون، أما نشاطها فهو يتخذ إحدى الصور الثلاث :
مراقبة النشاط الفردي، إذ الأصل في هذه الحالة أن يترك للأفراد الحرية المطلقة في إشباع رغباتهم المشروعة بوسائلهم الخاصة، ويقتصر دور الدولة على الرقابة وذلك بوضع الضوابط المنظمة لأنشطتهم، هذه الضوابط التي تكفل تحقيق أهداف هذه الأنشطة دون المساس بالمصلحة العامة أو بمصلحة خاصة أخرى مشروعة فيظهر نشاط الدولة عن طريق سلطات الضبط الإداري، إلا أن الإدارة قد لا تكتفي بهذا الموقف السلبي من النشاط المرفقي، بل تتخذ  صورة أكثر إيجابية وذلك بتدخلها لتمد يد المساعدة إلى المشروعات الخاصة التي تؤدي للجمهور منافع أساسية، إذا ما اعترضت تلك المشروعات صعوبات منعتها من مواصلة نشاطها، وقد تكون هذه المساعدات مادية وقد تكون معنوية كتمكين الدولة لهذه المشروعات من استعمال وسائل القانون العام، حتى يتيسر لها الاستمرارية في تأدية الخدمات العامة لأفراد المجتمع، وقد ترى الإدارة ضرورة تدخلها بنفسها لإشباع حاجة من الحاجات العامة إذا كانت المصلحة العامة تقتضي ذلك، سواء كان بوسع الأفراد القيام بذلك أم لا. وتدخلها هذا يتخذ في الغالب صورة المرفق العام خاصة إذا اتبعت في تحقيق ذلك النشاط وسائل القانون العام، و تعتبر هذه الصورة الأخيرة تعتبر من أهم صور النشاط الإداري في تحقيق المصالح العامة.

وقديما، لم تكن تعرف الدولة سوى نوع معين من المرافق العامة وهو مرفق الدفاع الخارجي والأمن الداخلي والقضاء، وظل الحال كذلك حتى اندلعت نيران الحرب العالمية الأولى فبدأ نشاط الإدارة يشع مداه، وتغيرت الصورة التقليدية المألوفة للمرفق العام، وأخذ هذا التطور اتجاهين :
الأول أن الإدارة بدأت ترتاد -لاسيما عقب الحرب العالمية الثانية- المجال الذي كان محجوزا  للنشاط الفردي، فنشأت المرافق الحديثة ذات الطابع الاقتصادي والاجتماعي، ومن ناحية أخرى تعددت واجبات الإدارة وتنوعت أنشطتها، فسمحت للأفراد بمعاونتها في مجال تحقيق النفع العام، وتعددت صور المشاركة بين الإدارة والأفراد.
وكنتيجة لنهج الدولة سياسة التدخل في الميادين الاقتصادية والمهنية، فقد زادت وتعددت أنواع المرافق العامة التي تهدف إلى إشباع الحاجات العامة، والتي تتطور بفعل التقدم العلمي والتكنولوجي والظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها الدولة، مما يستوجب بالضرورة ظهور أساليب جديدة لإدارة أمثال هذه المرافق والتي لم تعد تلائمها الأساليب التقليدية للإدارة.
فالمرافق التي تمس كيان الدولة (الأمن والدفاع) لابد أن تكون وسائل إدارتها مشددة عن وسائل إدارة المرافق الأخرى كالنقل مثلا.
ومن هنا، يكتسي المرفق العام أهمية في تعدد القواعد القانونية التي يخضع لها، وتنوع أساليب وطرق تدبيره، وهو ما يعود إلى طبيعة وتنوع المرافق العامة، ولعل أهم الأساليب التي عرفها تدبير المرفق العام هو أسلوب الوكالة التي تعد أولى أشكال التدخلات الإدارية.
     وانطلاقا من هذا، سنعمل على دراسة هذا النمط من أنماط تسيير المرفق العام، والمعروف بالاستغلال المباشر من خلال الإجابة على مجموعة من الإشكالات من بينها:
·          ما هو مفهوم الوكالة ؟
·          أين يتجلى نطاق تطبيق الوكالة كأسلوب لتسيير المرفق العام؟
·          أين تكمن أهم نتائج وصعوبات تطبيق أسلوب الوكالة في تسيير المرفق العام ؟
          ومن أجل الإلمام بهذا الموضوع، فإن خطواته وجهتنا إلى تقسيمه إلى مبحثين أساسيين:
         المبحث الأول: الوكالة المباشرة "مفهومها، ميادين تطبيقها".
         المبحث الثاني: النتائج والصعوبات الناجمة عن تدبير المرافق العامة عن طريق الوكالة (الاستغلال المباشر).

المبحث الأول: الوكالة المباشرة (الاستغلال المباشر la régie direct)
تعتبر الوكالة من بين الطرق التقليدية والقديمة التي تلجأ لها الإدارة لإدارة مرافقها العامة، حيث تهم هذه الطريقة كل المرافق العمومية التي لا تتمتع بالشخصية المعنوية، ويقصد بها قيام الهيئات الإدارية العامة ( الدولة أو الجماعات المحلية) باستغلال مرافق عمومية مباشرة، مستخدمة في ذلك موظفيها وأموالها ووسائلها القانونية، مع تحملها جميع ما يمكن أن ينجم بسبب ذلك من مخاطر ومسؤوليات.
          وترتكز طريقة الاستغلال المباشر (الوكالة) على ثلاثة عناصر قانونية :
- تتطلب هذه الطريقة أن يكون للإدارة حق التصرف المطلق في إدارة نشاط المرفق، فهي التي تنفرد باتخاذ قرارات تنظيمية.
- تقتضي طريقة الوكالة أن يكون للإدارة المشرفة على المرفق التصرف المطلق في تدبير شؤون موظفيه تدبيرا يتفق مع القانون.
-   تستدعي هذه الطريقة أن تكون الموارد المالية للمرفق مستمدة من ميزانية الجماعة المحلية ( المرافق المحلية) أو ميزانية الدولة ( المرافق الوطنية).
     وللإحاطة بهذا الموضوع أكثر، سوف نعمل في هذا المبحث على دراسة مفهوم الوكالة (المطلب الأول ) وذلك بتناول مختلف تعريفاتها الفقهية المتداولة وغير المتداولة.
     بينما خصصنا ( المطلب الثاني ) للحديث عن ميادين تطبيق الوكالة، وذلك بالتطرق إلى الوكالة في الميدان الإداري ثم الوكالة في الميدان الاقتصادي.
المطلب الأول: مفهوم الوكالة[1]
يقصد بهذه الطريقة قيام الهيئات الإدارية العامة أي الدولة أو الجماعات الترابية، باستغلال وإدارة وتنظيم وتسيير المرافق العامة مباشرة عن طريق عمالها وموظفيها وبأموالها مع تحمل ما ينتج عن ذلك من مخاطر ومسؤوليات، وكانت هذه هي الطريقة الطبيعية التي تلجأ إليها الدولة لإدارة مرافقها التقليدية، ويظهر ذلك بصورة جلية في المرافق ذات الصبغة الإدارية، نظرا لأهميتها وارتباطها بمصالح الناس، الأمر الذي يجعل الأشخاص العامة تحرص أشد الحرص على إدارتها مباشرة، وعدم السماح لغيرها بالنيابة عنها في ذلك.[2]
كما أن الأفراد من جهتهم لا يتشجعون على تحمل مسؤولية إدارتها لكون نشاطها غير مألوف عندهم، ولا يحقق في غالب الأحيان أرباحا ومكاسب مادية.[3]
غير أن هذا لا يعني عدم إمكانية استعمال هذا الأسلوب في إدارة بعض المرافق العامة الصناعية والتجارية، مثل مرفق الهاتف والمواصلات السلكية واللاسلكية سابقا، وهي تخضع في هذه الحالة لقواعد القانون العام من حيث سيرها وتنظيم عملها، وتعيين موظفيها، وترقيتهم وتحديد اختصاصاتهم، كما أنها تخضع لقواعد المحاسبة العمومية، فتضاف إيراداتها إلى إيرادات الدولة، وتطبق على نفقاتها قواعد سنوية الميزانية ووحدتها و عموميتها.[4]
وتعد الوكالة الأسلوب المعروف الأكثر عند الإدارة، وكذلك الأسلوب الأكثر قدما والأكثر استعمالا من طرفها، لدرجة نعتها من طرف جل الفقه بالأسلوب العادي لتسيير المرافق العامة، كما أنها الطريقة الأكثر تماشيا وتناسبا مع النظام الإداري والمركزي، وهذا ما يفسر في نفس الوقت قدم أسلوب الوكالة مقارنة مع الأساليب التي اقترن ظهورها مع ظهور اللامركزية الإدارية.[5]
ويرى الأستاذ جمال الدين زهير أن : "الوكالة من بين أولى التدخلات الإدارية أي من بين الأساليب التقليدية التي عرفها التسيير الإداري والتي استعملتها الدولة أو باقي الجماعات العامة".
الفرع الأول: الوكالة بتعريفاتها الفقهية المتداولة والشائعة
في الوهلة الأولى يبدو مفهوم الوكالة من بين المفاهيم الأكثر وضوحا والأكثر بساطة في القانون الإداري، ويتم تعريفه عادة كأسلوب لاستغلال أو تسيير أو تنظيم نشاط ما تتكفل به الإدارة، وعموما لا يميز المؤلفون بين هذه الصور التي تبدو وكأنها تعبر على نفس الشيء عند الفقه الغلاب، ونادرا ما نجد أفكارا تصادم، أو تساؤلات تحاول التشكيك في البنيان المفاهيمي الذي أقيمت على أساسه تلك التصورات البسيطة والخالية ظاهريا من كل تعقيد.
لكن خلف هذه البساطة الناتجة عن الغياب الكامل لأي مشكل بشأن مفهوم الوكالة، نتج في سكون تام خلط حقيقي بعيدا عن الاهتمامات الفقهية، وهذا راجع إلى المرفق العام الذي احتكر اهتمام الفقه بجميع توجهاته، ليحتل بذلك المكانة المركزية في فقه القانون الإداري، لذلك أضحى من الضروري التسليم بأن التساؤل الذي يجب التركيز عليه يكمن في موضوع الوكالة خارج العلاقة التي يمكن أن تربطها بالمرفق العام. أليس للوكالة استقلالية ؟ ألا يمكن تصور وجود مستقل لها عن أنشطة المرفق العام ؟[6]
وفي تعداد التعاريف المقدمة لمفهوم الوكالة، نجد مجموعة من التعاريف الفقهية الشائعة أهمها :
          الفقيه دوسوتو J. Desoto والذي عرف الوكالة كما يلي : "نقول أن هناك وكالة عندما تسيطر الإدارة على إدارة المرفق العام وعلى المستخدمين الذين يسيرونه، وعلى الوسائل المستعملة لتدبيره وبالخصوص الوسائل المالية"، إن المصطلحات المستعملة من طرف المؤلف ومن بينها (السيطرة على إدارة المرفق) لا تعبر بوضوح على تصوره للوكالة، لكن من خلال الطريقة التي أعلن اتباعها لمعالجة تسيير المرافق العامة، أكد أن "للإدارة الاختيار بين أسلوبين : إما أن تسير بنفسها المرفق وهو ما يسمى التدبير بالوكالة، أو أن تحدث مؤسسة متخصصة لتسييره، أي مؤسسة عامة".
بينما يعرف الفقيهين أ. دو لوبادير وب. ديلفولفي الوكالة بأنها : " أسلوب لتسيير مرفق عام يتميز باستغلال المرفق مباشرة من طرف الجماعة العامة التي أنشأته وبدون وسيط" وفي نفس الاتجاه، يرى ج. فيديــل أن المرفق العام يسير عن طريق الوكالة "عندما تتكفل الإدارة ليس مبدئيا فحسب بإدارته، بل عندما تزاول بيدها تشغيل المرفق بأموالها وأعوانها".
من جهة أخرى يعرف ج. ريفيرو المرافق المسيرة حسب أسلوب الوكالة على أساس سماتها المشتركة، فبداية لا تتوفر هذه المرافق على شخصية معنوية متميزة على شخصية الجماعات الترابية التابعة لها، مما يؤدي من جهة إلى تبعيتها المباشرة لها من ناحية تنظيمها، ومن جهة أخرى إلى غياب طابع الاستقلالية على ماليتها.
بينما يعرف ج. كرباجو الوكالة بأنها تلك الحالة التي تسير فيها الجماعات الترابية بنفسها المرفق العام، وقد أضاف أن التفريد المالي لا يتنافى مع أسلوب الوكالة.[7]
الفرع الثاني: الوكالة بتعريفاتها الفقهية الأقل تداولا وشيوعا.
أمام الجدل الفقهي الذي ثار بخصوص إعطاء تعريف دقيق وشامل للوكالة، فلابد من الوقوف عند بعض التعريفات الغير المألوفة لدى مجموعة من المؤلفين :[8]
يرى م. فالين أن : " المرفق العام يكون مستقلا في إطار الوكالة المباشرة عندما يتولى الوكالة الشخص العام نفسه ويتحمل مخاطره بإلزام الأموال الضرورية (...)، وبتوظيف وتسيير وتأجير ما تقتضي المصلحة من مستخدمين (...)، ويدخل في علاقة مباشرة مع المرتفقين (...)، ويتحمل وحده مسؤولية أضرار الأغيار بفعل سير المرفق". إن ما يميز هذا التعريف المفصل في نظر الأستاذ جمال الدين زهير، هو الجانب المتعلق بطبيعة الشخص العام الذي يتولى تسيير المرفق المسير في إطار الوكالة، فإذا كانت التعريفات تركز عادة على تسيير المرفق في إطار الوكالة من طرف الجماعة العامة التي تنشئه، ففي تعريف م. فالين فإن الأمر لا يتعلق بالجماعة العامة فحسب، وإنما بالشخص العام ( عندما يتولى الوكالة الشخص العام نفسه) على حد قوله، وبالتالي فإن مفهوم الشخص العام أوسع من مفهوم الجماعات العامة.
مما يعني أن هذا يفتح الباب لتفسير أوسع يجعل الوكالة مجالا للتسيير من طرف الأشخاص العامة كيفما كانت هذه الأخيرة، سواء تعلق الأمر بالأشخاص العامة الترابية (الجماعات المحلية) أو الأشخاص العامة الغير الترابية ( المؤسسات العامة).
أما عند الفقيه ف.ب بونوا : نكون أمام وكالة عندما يتولى الشخص القانوني المسؤول عن المرفق نفسه الأسلوب، بمعنى أنه هو الذي ينظم المرفق ويتقلد الإدارة والتسيير". يحمل هذا التعريف في خباياه درجة أعلى من التعقيد، فليست الأشخاص العامة وحدها هي التي يمكنها أن تسير المرفق العام في إطار الوكالة، بل تمتد هذه الإمكانية -حسب هذا التعريف- أيضا إلى الأشخاص الخاصين، لأن المؤلف يتحدث عن "الشخص القانوني المسؤول عن المرفق بصفة عامة ولا يميز داخل هذه الفئة بين أشخاص القانون العام والخاص".
المطلب الثاني: ميادين تطبيق الوكالة
لم يعد أسلوب الوكالة (الاستغلال المباشر) أسلوبا قاصرا على إدارة المرافق العامة الإدارية، وإنما استعمل في إدارة الأنواع الأخرى من المرافق وهي التجارية والصناعية.[9]
هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن هذا الأسلوب لم يقتصر استعماله على الدولة، وإنما لجأت إليه الأشخاص العامة المحلية، وعلى الأخص المجالس الجماعية، في دول كثيرة بالخصوص فرنسا، وذلك منذ أواخر القرن الماضي، حيث بدأت تتغلغل في تدخلها في مختلف نواحي الحياة الاقتصادية بأسلوب الوكالة عددا كبيرا من المرافق الاقتصادية.
لقد كانت القاعدة العامة التي أقرها القضاء الإداري الفرنسي، هي عدم جواز قيام البلديات بإنشاء وإدارة المرافق العامة التجارية والصناعية بأسلوب الوكالة، و ذلك لنوعين من الأسباب : قانونية واقتصادية، إلا أن هذه القاعدة لحقتها استثناءات عديدة بعضها يتعلق بالظروف الاستثنائية ( كظروف الحرب)، وبعضها يعود إلى القوانين التي أجازت للبلديات إدارة بعض المرافق العامة التجارية والصناعية بأسلوب الاستغلال المباشر ( الوكالة)، لغرض تحقيق نفع عام.
وعليه، فإن الإدارة المباشرة المطبقة على المرافق العامة الإدارية والتي تتسم بالروتين والإجراءات المعقدة وانعدام الحوافز والتشجيعات لا تصلح للمرافق العامة الاقتصادية، مما دفع بعض الدول إلى اتخاذ إجراءات من شأنها أن تسمح بتطبيقها على المرافق الاقتصادية منها :
-         تخصيص ميزانيات خاصة لبعض المرافق العامة.
-         تطوير نظام الإدارة المباشرة وتحويله إلى شكل تنظيمي جديد يتلاءم مع الطبيعة الاقتصادية للمرفق.[10]

الفرع الأول: الوكالة في الميدان الإداري[11]
لم يقتصر تطبيق هذه الطريقة على المرافق المركزية، وإنما يتجاوزها ليشمل المرافق المحلية.
1 – إدارة مرافق الدولة:
أنشأت الدولة بعض المرافق التابعة لها مباشرة تديرها بنفسها دون التخلي عنها للخواص، فهي مسؤولة عن الأضرار الناجمة بسبب نشاطها، وهي تكون إما إدارية أو اقتصادية أو اجتماعية، وأصدرت مجموعة من القوانين المنظمة لها، لذلك يكون من سمات الإدارة المركزية في المغرب تعدد الوزارات التي يعهد بها عادة إلى الوزراء.[12]
إن إنشاء الوزارات في المغرب أو حذفها يبقى من اختصاص الملك يمارسه بظهائر.
أما التنظيم الداخلي للوزارات فهو من اختصاص الوزير الأول (رئيس الحكومة) الذي يمكن أن يفوضه للوزير المعني، إضافة إلى أنه يمارس السلطة التنظيمية والسلطة التنفيذية، و تحمل المقررات التنظيمية الصادرة عن الوزير الأول، التوقيع بالعطف من لدن الوزراء المكلفين بتنفيذها، (الفصل 58 من الدستور المغربي الجديد).
2 – إدارة المرافق المحلية:
توجد بعض المرافق العمومية، التي يهدف نشاطها إلى تحقيق حاجات محلية، و تكون مدارة مباشرة بواسطة الأشخاص العامة المحلية وعلى الأخص المجالس المحلية.
إلا أن الصعوبة التي يصادفها تطبيق هذا النموذج من الإدارة المباشرة، يكمن في عدم وجود حدود فاصلة بين المصالح المحلية ومصالح الدولة، لأنه توجد مرافق تهدف في نفس الوقت إلى تحقيق مصلحة محلية ومصلحة عامة، مثل مرفق محاربة بعض الأوبئة، كما أن التوسع في ممارسة سلطة الوصاية قد يقلص من الحرية المتروكة للمجالس المحلية ويحد من مجال تدخلها.
ولعل أهم المرافق المحلية المدارة مباشرة من لدن المجالس الجماعية بالمغرب نذكر على سبيل المثال مرفق الحالة المدنية، النظافة، الإنارة العمومية، مراقبة عمليات البناء ومنح رخصها.
والملاحظة الجديرة بالذكر هي أن قيام المجالس المحلية بإدارة المرافق العمومية يصطدم ببعض الصعوبات، منها ضعف إمكانياتها المادية وعدم توفرها على الأطر المتخصصة، وعدم وجود تعاون مع الجماعات المحلية الأخرى لمواجهة المشاكل المشتركة.[13]
الفرع الثاني: الوكالة في الميدان الاقتصادي
لم يقتصر أسلوب الاستغلال المباشر على إدارة المرافق العامة الإدارية فحسب، وإنما استعمل في إدارة بعض المرافق الصناعية والتجارية -كما سبق الذكر- وذلك بهدف تحقيق المصلحة العامة التي تستهدف مثلا محاربة بعض الشركات الأجنبية الكبرى التي تتحكم بسعرها في جمهور المنتفعين.
ففي فرنسا، لم يطبق أسلوب الوكالة في تسيير المرافق العامة المحلية ذات الصبغة الصناعية والتجارية درءا للمس بحرية الصناعة والتجارة للخواص، إلا أنه تدخل الاجتهاد القضائي وأباح للبلديات تأسيس مرافق عامة اقتصادية عن طريق الوكالة المباشرة وفقا للشروط الآتية:
·       إذا كانت هناك منفعة عامة
·       إذا كان الخواص غير قادرين على إشباع الاحتياجات العامة
·       إذا كان الغرض من المرفق الحد من غلاء الموارد الضرورية
·       إذا كان الغرض هو تحسين نشاط المرفق وحماية توازنه المالي
·       إذا كان الهدف من المرفق الحفاظ على الأمن والنظام العام.
وتجدر الإشارة إلى أن تدخل الدولة في الميدان الاقتصادي عن طريق الوكالة لم يكن يتم دائما في إطار المرفق العام، فالوكالة الصناعية والتجارية يمكن أن توجد خارج أي علاقة مع المرفق العام، مما يعني من جهة أن الوكالة في الميدان الاقتصادي يمكن أن تعبر في بعض الحالات عن تدخلات للسلطات العامة في نفس ظروف الخواص، و بنفس دافع البحث عن تحقيق الربح، ومن جهة أخرى أن الوكالة مفهوم مستقل بذاته، والأمر كذلك بالنسبة لها كأسلوب، فاللجوء إلى استعمالها من طرف السلطة العامة يمكن أن يتم في أي ميدان من الميادين التي يتقرر التدخل فيها بغض النظر عن نوعية وطبيعة النشاط، فالسلطات العامة يمكن أن تباشر أي نشاط كان إما بصفة مباشرة أو بصفة غير مباشرة.
وهذه الأنشطة يمكن أن تندرج كما يمكن ألا تندرج في إطار المرفق العام، ويمكن أيضا أن لا يربط تدخل السلطات العامة أي ارتباط بالأنشطة المرفقية ليتحول فيما بعد إلى نشاط يهدف إلى إشباع مصلحة عامة ومنظم في إطار مرفق عام.
ولهذا نخلص إلى القول بأن إلقاء الوكالة بالمرفق العام يبقى احتمالا فقط، إلا أنه حق احتمال قوي بالنظر إلى نسبة الأنشطة التي تتولاها الجماعات العامة في إطار المرفق العام.[14]

المبحث الثاني: النتائج والصعوبات الناجمة عن تدبير المرافق العامة عن طريق الوكالة (الاستغلال المباشر)
المطلب الأول: نتائج تطبيق أسلوب الوكالة
بالرغم من النتائج الإيجابية التي حققتها طريقة الإدارة المباشرة، فقد أفرز تطبيقها بعض السلبيات الناتجة بسبب ظهور العديد من المرافق أو الوزارات.[15]
فقد أدى تعددها إلى وجود تداخل كبير بين مختلف المصالح الإدارية ومن تم وجب خلق تنسيق فيما بينها وإيجاد تقنيات تحقق قدرا من التعاون لأجل حل المشاكل التي تواجهها.
كما أنه، بعد أن أحرز المغرب على استقلاله، أصبح تحقيق التنمية من الانشغالات الأساسية للمسؤولين، فأنشئت العديد من الوزارات، غطى نشاطها كل القطاعات، بما فيها تلك التي كانت مهمشة من لدن المستعمر.
وقد وجدت هذه المرافق مجموعة من الضغوط حدت من فعاليتها، نذكر منها على سبيل المثال:
1 – ازدواجية البنيات الاقتصادية، حيث يصادفها في المجال الفلاحي والصناعي تواجد قطاعين متناقضين أحدهما تقليدي والآخر عصري.
2 – فوارق اجتماعية تكمن أساسا في وجود تفاوت في ملكية وسائل الإنتاج والشؤون الصحية والتعليمية، وظروف السكن، والمدخول الفردي، وارتفاع نسبة الأمية.
3 – تفاوت قطاعي :كان من نتائج تقسيم الاستعمار للمغرب إلى مغرب نافع ومغرب غير نافع، وجود مناطق نائية تفتقر إلى أبسط الوسائل الضرورية للعيش، فكان لابد من التفكير في خلق تجهيزات أساسية فيها، وتوزيع المصالح الخارجية للوزارات بشكل عقلاني يضمن القضاء على التفاوت الموجود في مختلف مظاهر الحياة.[16]
     ولذلك يرى البعض أن الحد من الآثار السلبية لهذه الضغوط لا يجد أساسه في إقامة وإنشاء مرافق بقدر ما يكمن في تطويرها وتحديثها حتى يكون هناك وعي وتفهم لكل الصعوبات والمشاكل، ولعل الاهتمام بتنمية بنياتها الثقافية وإعادة تنظيم بنياتها العملياتية لمن شأنه تخطي الحواجز المتواجدة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن الوزارات تمثل       
     مجموع الأجهزة والموظفين الذين هم بمثابة حلقة وصل بين الدولة والمواطنين ويهدفون إلى تحقيق غايتين:
-         تواجد الدولة واحترام سلطتها وكيانها.
-         وأن يكون المرفق في خدمة المواطن.
          ويتطلب ذلك وجوب جعل المرفق أكثر شفافية ورهن إشارة الأفراد.
فلا يمكن تحقيق مبدأ تقريب خدمات المرفق من المواطنين إلا بعد القيام بمجموعة من الإصلاحات تهدف أساسا إلى زيادة عدد المصالح الخارجية للوزارات بالمناطق التي تقل فيها أو تنعدم بالمرة (نذكر منها الإصلاح القضائي لسنة 1974) الذي تميز بزيادة عدد المحاكم ونص على إنشاء محاكم جديدة في بعض المناطق النائية، إلا أن أبرز مشكلة يمكن أن تواجه تحقيق هذا المبدأ تكمن في عدم وجود تواصل دائم بين الإدارة والمجتمع.
المطلب الثاني: الصعوبات الناجمة عن تطبيق أسلوب الوكالة في تسيير المرافق العامة
أجمع جل الباحثين الذين تناولوا هذا النمط من التدبير الإداري إلى أن هذا الأسلوب يتعرض في مجال التطبيق إلى عدة مشاكل ناتجة عن سوء التدبير الإداري وغياب مراقبة فعالة فيما يخص سير نشاط الإدارة.
أولا : التأطير: يظهر هذا الإشكال نتيجة عدم تخطيط سياسة قارة في مجال تكوين الأطر الإدارية وذلك إما نتيجة فراغ في الوظائف والكفاءات التقنية أو سوء استعمالها، كما هو الشأن في المغرب مثلا، حيث يعاني التكوين الإداري من مشكلات فكرية وتنظيمية ومنهجية وعلمية يجب مواجهتها لتحقيق الإصلاح الإداري.
ثانيا : المردودية: تشكل بعض الآفات التي تعاني منها المرافق العامة المسيرة عن طريق الوكالة المباشرة عائقا لحسن سيرها وجودة خدماتها ومن بين هاته الآفات :
1 – ظاهرة التغيب: هذه الظاهرة تحد من مردودية نشاط الإدارة وعدم تحقيقها للأهداف المناطة بها وتشكل ظاهرة الموظفين الصوريين أو الأشباح أهم تجلياتها، وتشكل استنزافا حقيقيا لمالية الدولة وعبئا ثقيلا على الخزينة العامة.[17]
2 – الرشوة : ففي بلد كالمغرب ورغم أن المشرع قاوم هذا الداء بمعاقبة الراشي والمرتشي، فإنها تظل وصمة عار في جبين الإدارة، ولا شك أن هذه الظاهرة لها تأثيرات وخيمة على مردودية المرافق العامة، ولا يمكن التغلب عليها، إلا بتظافر الجهود سواء من جانب الحكومة وكذا الرفع من الوعي الوطني حتى تتم معاملات المرافق العامة مع زبنائها في شفافية تامة.
3 – تعقد المساطر : هذه الظاهرة تفقد الإدارة مصداقيتها لأنها تضر بالعلاقة المفترضة بين المرتفق والإدارة. لذا يجب تغيير المساطر والإجراءات الإدارية المعتمدة التي تنفر المرتفقين أو تستفزهم، واتخاذ إجراءات عملية للحد من وطأة تعقيدات المساطر الإدارية لتشجيع الاستثمار للرفع من مستوى اقتصاد البلاد.
4 – إهدار الموارد : لا شك أن تضخم وتكاثر المصاريف نتيجة سوء التدبير والإسراف في النفقات يحول دون تطوير الإدارة، لذا يجب إلغاء بعض الامتيازات الممنوحة لبعض كبار الموظفين وكذا ترشيد نظام الأجور بالوظيفة العمومية على أساس العدل، والمردودية والاستحقاق، والرفع من مستوى الأداء الإداري على أساس إصلاح إداري شمولي يأخذ بعين الاعتبار الترشيد والتخليق والتواصل، وضمان الشفافية والحزم والنزاهة في كل العمليات والمعاملات الإدارية.[18]

خــــاتـــمـــة
وخلاصة القول، فإن اختيار المشرع المغربي لأسلوب الوكالة المباشرة أو الاستغلال المباشر، راجع بالإضافة إلى كونه الأسلوب الموروث عن نظام الدولة بالمغرب منذ القدم، وكذلك الأسلوب الأكثر تماشيا وتناسبا مع النظام الإداري المركزي، الوسيلة الفعالة لكي تتولى الدولة بنفسها وظيفة الإشراف والتدبير وهي تعمل في ذلك على الاعتماد على وسائلها العامة التي هي مجموع الموظفين والأموال العمومية التي تتوفر عليها، كذلك راجع بالأساس إلى أهمية هذه المرافق من الناحية الإستراتيجية لارتباطها بمصالح الناس.
أما حاليا، وفي إطار تغير فلسفة الدولة نحو اللامركزية، وتعدد أنواع المرافق العامة ظهرت أساليب جديدة لإدارة هذه المرافق بانتظام واطراد.
 وأيا ما كان الأسلوب المتبع في إدارة المرفق فهو أولا، وأخيرا مرفق عام، فالرقابة يجب أن تفرض على جميع المرافق العامة لكنها تشدد أو تخفق في الدرجة وفقا لطبيعة ونوع الخدمة التي يؤديها المرفق.

المــراجــع المــعــتمــدة

ü  جمال الدين زهير : الوكالة أسلوب مباشر لتسيير المرافق العامة أم لإدارة التدخلات العامة؟ المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة مواضيع الساعة، عدد 35 لسنة 2002.
ü  حسن حوات : المرافق العامة بالمغرب وهيمنة التحويل من القطاع العام إلى القطاع الخاص، مطبعة النجاح الجديدة، الطبعة الثانية 1998.
ü    عبد الله حداد : الوجيز في قانون المرافق العمومية الكبرى، منشورات عكاظ، طبعة 2001.
ü    عبد الله حداد : المرافق العمومية الكبرى، دراسة نظرية وتطبيقية، منشورات عكاظ، مارس 2001.
ü    عبد الحق عقلة : القانون الإداري، الجزء الثاني، نشاط الإدارة ووسائلها، الطبعة الرابعة 2005.
ü  محمد الأعرج : طرق تدبير المرافق العامة بالمغرب، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، الطبعة الأولى 2004.
ü   محمد الأعرج : القانون الإداري المغربي، الجزء الأول، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، العدد 61.




[1]  قبل التطرق للحديث عن مفهوم الوكالة، تجدر الإشارة إلى أن موضوع الوكالة يعتبر من المواضيع التي لم تعرف إلا القليل من اهتمام الفقهاء، وهذا راجع إلى انكباب الفقهاء على دراسة أساليب أخرى لتدبير المرافق العامة، رغم أن الوكالة تعتبر من بين أولى التدخلات الإدارية.
[2]  حسن حوات : المرافق العامة بالمغرب وهيمنة التحويل من القطاع العام إلى القطاع الخاص، مطبعة النجاح الجديدة، الطبعة الثانية: 1998، الدار البيضاء، ص: 40 و 41.
[3]  عبد الله حداد : قانون المرافق العمومية الكبرى، منشورات عكاظ، طبعة: 2001، ص: 87.
[4]   محمد الأعرج: طرق تدبير المرافق العامة بالمغرب، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة مؤلفات و أعمال جامعية، الطبعة الأولى: 2004، ص: 40.
[5]   جمال الدين زهير : الوكالة: أسلوب مباشر لتسيير المرافق العامة أم لإدارة التدخلات العامة؟ المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة مواضيع الساعة، عدد 35 لسنة 2002، ص: 51 و 52.
[6]   جمال الدبن زهير، نفس المرجع السابق، ص 53.
[7]  إن الوقوف على التعاريف الشائعة للوكالة يجعلنا نعلم أن جل هذه التعريفات أسست على غياب الشخصية المعنوية في أنشطة المرفق العام المسيرة في إطار الوكالة، وبالتالي يتم استبعاد الوكالة المستقلة عن الوكالة، (كوكالة التبغ في المغرب و وكالة رونو في فرنسا).
[8]  د. جمال الدين زهير : مرجع سابق ص: 55 و 56.
[9]   محمد الأعرج: طرق تدبير المرافق العامة بالمغرب، مرجع سابق، ص: 41.
[10]   محمد الأعرج: القانون الإداري المغربي، الجزء الأول، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، العدد: 61، ص: 347.
[11]  يرى الأستاذ جمال الدين زهير أن ارتباط الوكالة بالمرفق العام أمر لاحق لوجود الوكالة، وبالتالي فإن وجود الوكالة مستقل عن وجود المرفق العام، يقول في هذا الصدد : "الكل يردد أن الفضل يرجع إلى اجتهاد حكم بلانكو في ميلاد مفهوم المرفق العام، لكن لا أحد يذكر أن ما وصفه قاضي التنازع الفرنسي بالمرفق العام هو إدارة التبغ، فالأمر كان يتعلق بمصنع التبغ الذي لا يمكن أن تخضع مسؤولية مستخدميه لمبادئ القانون المدني حسب القاضي الفرنسي، لأن الأمر يتعلق بمرفق عام مسير مباشرة من طرف إدارة الدولة في إطار الوكالة ... إلا أن الكل كان وكالة في البداية سواء تعلق الأمر بالتدخلات الإدارية للدولة  (الأمن، الدفاع) أو بالتدخلات الاقتصادية للدولة (مصانع التبغ، الأسلحة)...". راجع مقالة ذ. جمال الدين زهير "الوكالة أسلوب مباشر لتسيير المرافق العامة أم لإدارة التدخلات العامة" ص: 61.
[12]  د. عبد الله حداد : الوجيز في قانون المرافق العمومية الكبرى، مرجع سابق، ص 88 و 89.
[13]  عبد الله حداد : م.س، ص: 94 و 95.
[14]  جمال الدين زهير : م.س، ص: 62-63.
[15]  د. عبد الله حداد، م.س، ص 95.
[16]  د. عبد الله حداد : المرافق العمومية الكبرى، دراسة نظرية وتطبيقية، منشورات عكاظ، مارس 2001، ص 82-83.
[17]  عبد الحق عقلة: القانون الإداري، الجزء الثاني، نشاط الإدارة ووسائلها، الطبعة الرابعة 2005.
[18]  عبد الحق عقلة : م.س.
navright

‏ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق