2013/06/03

السياسة الحقوقية في المغرب



السياسة الحقوقية في المغرب
مقدمة:
إن تطور مسألة حقوق الإنسان بالمغرب ترتبط عموما بالتأثير المشترك بين رسم السياسات الداخلية والخارجية، فضلا عن كونها نتاج تفاعل القوى المشكلة للمجتمع المدني من جهة، ومكونات المجتمع السياسي من جهة أخرى. حيث يمكن الرجوع بجذور المطالبة بحقوق الإنسان في المغرب من قبل قوى المجتمع المدني إلى بداية القرن العشرين، من خلال مشروع دستور 1908 الذي جسد أول مطالبة منظمة بهذه الحقوق[1]، مرورا بالعهد الملكي لسنة 1958 وظهائر الحريات العامة الصادرة بنفس السنة كما تم تعديلها وتتميمها، والقانون الأساسي للمملكة لسنة 1961 ودساتير 1962-1970-1972 التي لم تأت بأي جديد، حيث ظل معطى حقوق الإنسان بالمغرب مرتبطا بالحضارة العربية الإسلامية، على خلال دستوري 1992 و1996 الذين كرسا البعد الحقوقي كما هو متعارف عليه عالميا، عبر التصديق والانضمام إلى المعاهدات الدولية المعنية بحقوق الإنسان وإدراجها في خانة السياسات العمومية الوطنية.

وبهذا تبرز أهمية الحسم الدستوري في مسألة سمو الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان التي صادق عليها أو انضم إليها المغرب لتحديد طبيعة ومكانة المرجعية القانونية ذات الأولوية، وإيجاد الآليات الكفيلة بالقيام بمهمة الملاءمة والالتزام عمليا بالإسقاطات القانونية والسياسية المترتبة عليها، مما يشكل جزءا لا يتجزأ من إشكالية الديمقراطية بالمغرب. ذلك أن تعدد مرتكزات ومداخيل الإدماج القانوني للاتفاقيات الدولية في التشريع الوطني في ظل تكريس عالمية حقوق الإنسان التي يتخذ منها المغرب مسلكا ضروريا لإرساء بنية تحتية حقوقية تنحو إلى تقييد الاختصاص الداخلي بما يتلاءم مع القواعد القانونية الدولية، خاصة وأن المغرب قد صادق على اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لسنة 1969 بتاريخ 26 شتنبر 1972 والتي لا تجيز في مادتها 27 لأحد أطراف الاتفاقية التحلل من الالتزام بها مقابل التمسك بمقتضيات القوانين الداخلية للدولة المتعاقدة الأمر الذي يلزم الدولة المغربية استنادا إلى مرجعية القانون الدولي بإدماج الشرعية الدولية والاتفاقات الخاصة بحقوق الإنسان في تشريعاتها الوطنية والعمل على ملاءمة قوانينها الداخلية مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان[2].
وعليه، فإن إشكالات الممارسة العملية المرتبطة بقضايا حقوق الإنسان في المغرب تتنازعها الرهانات المختلفة للفاعلين، خاصة على مستويات المؤسسة الملكية و البرلمان والحكومة والمجتمع المدني، لصياغة تعاقد جديد بين الدولة والمجتمع يجعل من المسألة الحقوقية أحد المداخل الأساسية لإقرار توازنات جديدة داخل الحق السياسي، الأمر الذي يقتضي إخراج قضايا حقوق الإنسان من إطار السياسة السياسوية إلى فضاء السياسات الإجرائية العمومية، خاصة وأن معطى حقوق الإنسان غدا إحدى أولويات ومرتكزات السياسة الحقوقية الحكومية.
وبالتالي سنقسم موضوع بحثنا على الشكل التالي:
-                                المبحث الأول: تأثير السياق الداخلي والخارجي على انخراط المغرب في المنظومة الحقوقية.
-                                المبحث الثاني: التأصيل الدستوري لحماية حقوق الإنسان، والانتكاسة بعد قانون الإرهاب.

المبحث الأول:
انخراط المغرب في المنظومة الحقوقية الدولية بين متغيري السياسة الداخلية والخارجية.

بدأت ملامح انخراط المغرب في الحقل الحقوقي تتشكل في منتصف عقد السبعينات من القرن الماضي، من خلال تعامله مع مختلف الإنتاجات القانونية التي أفرزتها العلاقات الدولية، من اتفاقيات وعهود ومواثيق يمكن اعتبارها مؤشرا دالا على تجاوبه مع معطيات خارجية (المطلب الأول) وداخلية (المطلب الثاني)، في غاية الترابط، وبالتالي بداية تبلور وعي عمومي بالرهان الحقوقي بمختلف أبعاده.
المطلب الأول: اشتراطية حقوق الإنسان في جدول أعمال السياسة الخارجية.
إن الكثير من القوانين والسياسات الدولية والدبلوماسية تهتم بمسألة حقوق الإنسان كموضوع أصبح راسخا بقوة في جدول أعمال السياسة الخارجية وعنصرا حاسما في  التعامل الدولي، خاصة مع الانتشار الواسع للدبلوماسية الأمريكية في عهد كارتر والداعية إلى احترام حقوق الإنسان على المستوى الدولي. ترى ما هي مرتكزات اشتراطية حقوق الإنسان في السياسة الخارجية للدول؟ وما مدى صحة التدابير المتخذة باسم دعم حقوق الإنسان على المستوى الدولي؟
الفرع الأول: حضور حقوق الإنسان في السياسة الخارجية.
إن اشتراط حقوق الإنسان في السياسة الخارجية يثير عدة تساؤلات ترتبط بمبدأ السيادة التي تقوم عليه العلاقات الدولية والذي يفيد عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. هذا "المجال المحفوظ" تزكيه المادة 2 الفقرة 7 من ميثاق الأمم المتحدة حيث « ليس في هذا الميثاق ما يُسَوغ للأمم المتحدة أن تتدخل في الشؤون التي تكون من صمم السلطا الداخلي لدولة ما...» ترى هل كل مبادرات الحماية الدولية لحقوق الإنسان محكوم عليها بأن تصطدم بالتحفظ المذكور أعلاه؟ وهل يقتضي الأمر استبعاد حقوق الإنسان من السياسة الخارجية وحصرها ضمن الاختصاص الوطني للدولة؟ إلا أن هذا الطرح أصبح متجاوزا، خاصة مع التطور الذي شهده القانون الدولي وقبول الدول الالتزام بقواعده التي شكلت قيودا على سيادتها. وأضحى وجود حقوق الإنسان في جدول أعمال السياسة الخارجية أمرا مشروعا على خلاف طابع الاعتراض الذي كان يكتنفها في السابق. فقد تزايد الخطاب الدولي الذي يربط المساعدة على التنمية باحترام حقوق الإنسان، خاصة منذ الثمانينات سواء على مستوى سياسات التعاون الدولي المعلنة من قبل الدول المانحة أو على مستوى إبرام اتفاقيات ثنائية أو متعددة الأطراف تفرض على الدولة مراعاة التزاماتها في مجال حقوق الإنسان.
ويجب الاعتراف بأن مقاربة المسألة ليست عملية سهلة، ذلك أن كل سياسة خارجية لحقوق الإنسان تنحو منحى تدويل هذه الحقوق من خلال التزامات ومسؤوليات الدول التي تشكل أساسا لها، إلا أنه هذا الالتزام لم يرق إلى جعل اشتراط حضور حقوق الإنسان على مستوى الواقع محددا رئيسيا من محددات الدول في أبعادها الاقتصادية والاستراتيجية. ذلك أن تصادم المصالح تتوارى معه كل المعايير الأخلاقية وواجبات حقوق الإنسان، مما يجعلها عرضة للكيل بمكيالين. وقد أثارت زيارة الزعيم الليبي معمر القذافي لفرنسا بتاريخ 10 دجنبر 2007 عدة انتقادات في صفوف المعارضة والحكومة والمنظمات الدولية والوطنية على حد سواء[3]، بخصوص حقيقة توجهات السياسة الخارجية لساركوزي، من جهة أولى، وحقيقة التنازلات الإضافية التي مازالت ليبيا مطالبة بها، خاصة في مجال حقوق الإنسان لضمان عودتها إلى أحضان الغرب، من جهة ثانية.
وفي هذا السياق أكد ساركوزي بأن فرنسا لم تتخلى عن قناعتها بشأن حقوق الإنسن، دون أن تفوت في الوقت ذاته فرصة إبرام صفقات تجارية واتفاقات اقتصادية مع ليبيا، والتي بلغت قيمتها 14.5 مليار دولار، الأمر الذي سيساعد على انتعاش الاقتصاد الفرنسي واستعادة نفوذ الدولة في شمال إفريقيا. وذلك باعتماد سياسة واقعية تربط بمقتضاها فرنسا من جديد علاقات تجارية ودبلوماسية عادية مع ليبيا.
ونخلص في الأخير إلى أن استناد كل دول العالم إلى فكرة حماية حقوق الإنسان وحرياته الأساسية والإقرار بسموها، لا يعني بالضرورة أن هذه الحماية فعلية وواقعية.
الأمر الذي يجعل حضور حقوق الإنسان في أجندة السياسة الخارجية محكوم باعتبارات سياسية أمنية واقتصادية واستراتيجية وإيديولوجية...، مما يطرح عدة صعوبات ومفارقات تضر بعالمية حقوق الإنسان وتحد من فاعليتها.
الفرع الثاني: حقوق الإنسان والمساعدات الخارجية، أية اشتراطية؟
لقد أصبح تقديم المساعدات الخارجية من قبل الدول المانحة رهين باشتراطية احترام وضمان الارتقاء بحقوق الإنسان في السياسات العمومية الوطنية للدول الممنوحة، وترتكز سياسة الربط بين تلقي المساعادت الاقتصادية واحترام حقوق الإنسان في السياسة الخارجية للدول المتقدمة على ثلاث مؤشرات أساسية:
1-      ضغط المنظمات غير الحكومية وتعبئة الرأي العام الدولي؛
2-      تزايد وعي أجهزة الدول المانحة بشأن ضرورة ترشيد التعاون الدولي و"عقلنة" السياسة الخارجية؛
3-      الاقتناع بالآثار السلبية لتردي الأحوال السياسية والاجتماعية والاقتصادية في العالم الثالث، على مصالح الدول المتقدمة.
وعلى ضوء هذه المؤشرات تحرص الدول المانحة سواء على المستوى الدبلوماسي أو على مستوى إبرام الاتفاقيات الدولية أو اعتماد برامج التعاون، على ربط المساعدة الاقتصادية والتنموية باشتراطية النهوض بحقوق الإنسان.
ففي الولايات المتحدة الأمريكية، اعتمد الكونغرس عددا من القوانين تنظم عملية الربط بين احترام حقوق الإنسان وتلقي المساعدات، في مقابل حجب هذه الأخيرة عن الحكومات المنتهكة بقوة لهذه الحقوق[4]. وتضطلع بهذه المهمة وزارة الخارجية الأمريكية من خلال تقاريرها السنوية التي ترصد حقوق الإنسان في الدول التي تتلقى مساعدات أمريكية.
غير أن الملاحظ لعمق السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية بشأن حقوق الإنسان يراها مختزلة في مصلحتها الدولية الرامية إلى استخدام نفوذها للتأثير على ممارسات حكومات الدول الأخرى، دون أن تعيرالاعتبارات الأخلاقية سوى النزر القليل من الأهمية.
كما تجدر الإشارة أيضا أن السياسة الخارجية الأمريكية في مجال حقوق الإنسان كانت لها تأثيرات وامتدادات على مجموع الإدارات الأمريكية اللاحقة، وكذا أغلبية الحكومات الأوربية كفرنسا وهولندا وبلجيكا والدول الاسكندنافية.
وهكذا فقد صرحت فرنسا على لسان رئيسها فرنسوا ميتران في قمة لابول La Baule الفرنسية الأفريقية بفرنسا بتاريخ 20-22 يونيو 1990 بأنها ستربط مساعدتها إلى الدول بالجهود الرامية إلى بذل مزيد من الحرية، في مقابل فتور الدعم اتجاه من يرفضون مسار التطور.
وفي السياق ذاته، اعتمدت كل من كندا وهولندا والدول الاسكندنافية واليابان نفس الاستراتيجية بشأن التركيز على شرط حقوق الإنسان كمعيار أساسي لسياسة التعاون الدولي الرامية للمساعدة على التنمية. وتعتبر سنة 2000 محطة ذات أهمية خاصة في تطوير العلاقات بين المغرب والاتحاد الأوربي باعتبارها سنة دخول اتفاقية الشراكة الموقعة سنة 1996 حيز التنفيذ[5]. فقد اقترحت مصادقة البرلمان الأوربي على اتفاقية الشراكة بين المغرب والاتحاد الأوربي، "باشتراطية" احترام المغرب لحقوق الإنسان.
فقد أكدت ديباجة الاتفاقية على الأهمية التي يوليها المغرب والمجموعة الأوربية لاحترام مبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وخاصة احترام الحقوق السياسية والحريات واحترام حقوق الإنسان والحقوق الاقتصادية التي تشكل أساسا للشراكة. كما جاء التنصيص في المادة 2 من هذه الاتفاقية على الآتي:
« تسليم المغرب والمجموعة الأوربية سياستهما الداخلية والدولية من احترامهما لمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان كما جاءت في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والذي يشكل عنصرا هاما في هذا الاتفاق».
فالقيمة القانونية لهذا البند تتمثل من جهة أولى، في فتح باب للحوار السياسي بين الشركاء حول وضعية حقوق الإنسان والديمقراطية داخل بلدانهم أن مطلب مناقشة هذا الموضوع من قبل المجموعة الأوربية لا يمكن رده بدعوى السيادة الوطنية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
ومن جهة ثانية تشكل قاعدة شرعية لاتخاذ بعض العقوبات إذا اقتضى الأمر ذلك، وخاصة في حماية ارتكاب بعض الأطراف لخروقات ممنهجة وخطيرة للمعايير الدولية لحقوق الإنسان.
وقد رأست اتفاقية الشراكة التي أبرمها المغرب مع الاتحاد الأوربي في فبراير 1996 ودخلت حيز التنفيذ في مارس 2000، طبقا لمادتها الخامسة، آلية الحوار السياسي بشكل منتظم، وكلما اقتضته الضرورة، وذلك على المستويات الثلاث:
-                                على المستوى الوزاري في إطار مجلس الشراكة.
-                                على مستوى المسؤولين الممثلين للمغرب من جهة، ورئاسة المجلس الأوربي واللجنة الأوربية من جهة أخرى.
-                                على مستوى القنوات الدبلوماسية.
ومن مزايا الحوار السياسي تبادل وجهات النظر، وتنسيق المواقف بين طرفي اتفاقية الشراكة، ذلك أن الحوار السياسي المنتظم مكن من تقوية الإصلاحات المؤسساتية للمملكة المغربية خلال عقد التسعينات، وخاصة فيما يتعلق بتطور حقوق الإنسان.
وفي المجال التشريعي فقد نص الاتفاق الأوربي المتوسطي المؤسس للشراكة بين المغرب من جهة، والمجموعة الأوربية والدول الأعضاء بها، من جهة أخرى. في المادة 52 على أنه "يهدف التعاون إلى مساعدة المغرب على تقريب تشريعه من تشريع المجموعة في الميادين التي يشملها هذا الاتفاق".
ونتيجة لآليات التعاون الاقتصادي والسياسي مع الخارج، أصبح معتادا في الممارسة المغربية الامتثال إلى مقتضيات بعض المواثيق الدولية، وخاصة ما يتعلق بحقوق الإنسان انسجاما مع تطور دولي أدى إلى إيلاء حقوق الإنسان أهمية خاصة[6].
ترى ما مشروعية اشتراطية الولايات المتحدة والدول الأوربية تقييد مساعداتها الخارجية بمعيار حقوق الإنسان؟ وإلى أي حد يحق، بمنطق هانزمورجنتاو Hansmorgentau، لأمة أن تفرض مبادئها الأخلاقية على الأمم الأخرى؟ وهل خطاب الاشتراطية ذو مبتغى أخلاقي أم مصلحي؟ وما هي القيمة القانونية لمشروطية من هذا النوع؟
في خضم هذه المساعدات التي تلازم اشتراطية حقوق الإنسان من خلال المساعدة الخارجية الاقتصادية، تبرز المفارقة الكبرى في كون الدول الغنية المانحة تنصب نفسها داعية ومبشرة بحقوق الإنسان في العالم وهي تتشبث بالعلاقة الاقتصادية والتجارية غير المتكافئة التي تخدم مصالحها على حساب دول وشعوب العالم الثالث، مما يفرض مقاربة شمولية للتعامل مع هذه المفارقة بموضوعية وواقعية وعليه، إن وضع تحديد مضبوط لفلسفة الليبرالية الاقتصادية وأهدافها في تكريس حقوق الإنسان، وفي مقدمتها الحق في التنمية، والتعاون الثنائي والمتعدد الأطراف والشراكة ينبغي أن يتم في سياق عدم الانتقائية عند النظر في حقوق الإنسان، خاصة وأن المجتمع الدولي أصبح فعلا شبيها بالقرية الشمولية، نتيجة لتدويل مشاكل الإنسانية وترابطها[7]. فالمتطورات التي عرفتها العلاقات الدولية في السنوات الأخيرة تتميز بما يعرف بالمشروطية السياسية Conditionnalité Politique  في المساعدة الخارجية، أي ربط المساعدة على التنمية باحترام حقوق الإنسان، وبالتعددية والانتخابات الديمقراطية ومسألة الحكم الجيد La bonne gouvernance. وإذا كانت هذه المشروطية تبدو أمرا مشروعا من حيث المبدأ، إلا أنه يقتضي تدقيق أهدافها لإضفاء عليها طابع الموضوعية والفعالية، ولتفادي مخاطر التجاوز والانزياح عن مسارها الإنساني، خاصة أن المساعدات المقدمة في غالب الأحيان تتضمن صراحة أو ضمنا شروط سياسية أو اقتصادية لا تتلاءم عموما مع حق الشعوب في اختيار أنظمتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بكل حرية[8].
ومن الجائز أن تعتبر اشتراطية حقوق الإنسان في السياسية الخارجية لبعض القوى الكبرى سلاحا دبلوماسيا اقتصاديا وسياسيا لا تتورع عن التهديد باستعماله في زعزعة أركان الأنظمة الداخلية لبعض الدول، لا لشيء إلى لكونها لا تتفق مع أهدافها. ناهيك عن الخروقات وانتهاكات حقوق الإنسان في كثير من الدول، رغم ما قررته الشرعية الدولية، من حصانة عليها. وإذا كان ربط المساعدة باحترام حقوق الإنسان يعد أمرا مشروعا من حيث المبدأ، فإنه يتضمن مخاطر التجاوز والإفراط نظرا لكون هذه المساعدة الاشتراطية التي يقوم عليها التعاون الدولي تبدو انفرادية وعقابية إلى حد بعيد، مما يثير مخاوف دول العالم الثالث التي تدفع بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية[9].
وهكذا فالمحرك الأساسي لمنطق اشتراطية التزام حقوق الإنسان بتلقي المساعدات، محكوم باعتبارات مصلحية ليس إلا. ذلك أن الدول المتقدمة التي تملك وسائل هامة للتأثير الإيجابي على الدول والحكومات التي لا تحترم حقوق الإنسان، تمتلك أيضا نفس الوسائل للتأثير السلبي على مسار هذه الحقوق، مما يجعل عالميتها مثار أزمة فعالية.
المطلب الثاني: المحددات الداخلية.
ارتبط موضوع المحددات الداخلية الناظمة والمتحكمة في تحيين وتطوير المغرب لسياسته الحقوقية بالمتغيرات العميقة السوسيو-اقتصادية التي عرفها المغرب مع بداية الثمانينات، والتي جعلت النظام السياسي يعيش على محك خيار إدخال الإصلاحات الضرورية لتصريف التناقضات واستيعات المتغيرات الدولية والداخلية.
الفرع الأول: المتغيرات السوسيو-اقتصادية.
بدأت بوادر تدهور الاقتصاد المغربي خلال عقد الثمانينات بفعل الأزمة العالمية وانهيار أثمان الفوسفاط، وارتفاع المديونية الخارجية، والجفاف، وازدياد معدلي النمو الديمغرافي والبطالة وجمود الأجور وانخفاض القدرة الشرائية...، مما تقلصت معه قدرة الدولة على تلبية الحاجيات الأساسية لغالبية المواطنين، وتراجعت خدماتها لدرجة أصبحت الدولة الرسمية لا تغطي الدولة الواقعية.
وقد انعكست هذه التحولات السوسيو-اقتصادية التي عرفها المغرب بشكل واضح على تدبير المشروعية، بحكم اعتماد النظام الخيار الليبرالي على المستوى الاقتصادي من خلال الأخذ بسياسة التقويم الهيكلي سنة 1983، مما أفرز تناقضات بنيوية لعدم مواكبته بتطوير ممثال على مستوى تحديث العلاقات الاجتماعية والسياسية[10]. وفي هذا السياق، ارتفعت وتيرة الاحتجاجات الشعبية التي همت القطاعين العام والخاص على حد سواء، والتي أدت إلى تسييس شرائح اجتماعية واسعة، فضلا عن ظهور معالم مجتمع مدني سجل تواجده بقوة في مجالات حساسة (الثقافة، حقوق الإنسان...)، مما أصبح أحد دوائر إنتاج النفوذ المضاد، خاصة مع تراجع الدولة عن الاستجابة لانتظارات المجتمع، مما جعل اللجوء إلى مبدأ "التفاعلية الاستراتيجية" كأحد المخرجات الأساسية لإعادة الاعتبار نوعا ما لدور الدولة في برامج الإصلاح والتغيير، من خلال التأليف بين الميول الفردية والجماعية، وتشجيع التعاون والتشاور بين الفاعلين لتجاوز حالة البطء والجمود التي يعاني منها التطور الاقتصادي الاجتماعي، والتنسيق بين المتغيرات على الجهتين الداخلية والخارجية[11]. وعليه، فقد عمد النظام السياسي المغربي إلى تفعيل الدينامية الاجتماعية من خلال الارتقاء بمؤشري الديمقراطية وحقوق الإنسان لتكريس دولة الحق والقانون.
الفرع الثاني: المتغيرات الديمقراطية تدبير المجالين الحقوقي والسياسي.
أصبح التحول الديمقراطي يفرض نفسه تدريجيا على الضمير العالمي، إذ لم يعد من الممكن فصل الديمقراطية عن حقوق الإنسان. ويعد الالتزام بالديمقراطية أحد المداخل الأساسية لضمان حماية حقوق الإنسان على المستوى الدولي، سواء تعلق الأمر بالدول المتقدمة أو العالمثالثية. ذلك أن إقرار مبدأ التوازن بين السلطة والحرية وتوفير ضمانات احترام حقوق الإنسان والالتزام بها يشكل مؤشرا على درجة التطور الديمقراطي خاصة مع تزايد الاهتمام بموضوع الأقليات.
وهذا التلازم الحقوقي والديمقراطي من شأنه جعل مرتكزات النظام السياسي قائمة على صيانة كرامة الإنسان داخل المجتمع. وهكذا ذهب الأمين العام السابق للأمم المتحدة "بطرس بطرس غالي" إلى التأكيد بأنه لم يعد من الممكن اليوم فصل الديمقراطية عن حقوق الإنسان، فقد أصبحت هي المشروع السياسي الذي يندرج فيه ضمان حقوق الإنسان وحمايتها، أيا كانت الثقافات والحضارات التي يعيش في ظلها[12]، وتعتبر الديمقراطية مدخلا أساسيا للارتقاء بحقوق الإنسان وحمايتها وإقرار توازنات جديدة داخل الحقل السياسي. ذلك أن التحول الديمقراطي اليوم أصبح يفرض نفسه تدريجيا على الضمير العالمي نظرا لما تشهده الديمقراطية وحقوق الإنسان من ترابط وتكامل. وبعبارة أوضح أصبحت الديمقراطية هي المشروع السياسي الذي يندرج فيه مسار تفعيل سياسة حقوق الإنسان وحمايتها. ومن تم لا يمكن فصل ما يضطلع به الفاعلون السياسيون والحقوقيون – حكوميون أو غير حكوميين – في المغرب من مسؤولية اتجاه السياسة الحقوقية، في إقامة أنظمة ديمقراطية وتحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية على المدى المتوسط والبعيد. إذ لا يمكن تحقيق تنمية اقتصادية دائمة للدول دون إعادة "هيكلة ديمقراطية"، لمفهوم المواطنة الاجتماعية، وحقوق الإنسان والحريات الأساسية، ودولة الحق والقانون، وتحديث الحقل الدستوري، وتدبير الحقل السياسي، وتجديد الموارد السياسية والاجتماعية...، ذلك أن تحقيق المساواة في توزيع الموارد السياسية رهين بقوة الديمقراطية في تكريس هذه القيم أو على الأقل عدم إضعافها.
وتجدر الإشارة إلى أن المجال السياسي بالمغرب خلال عقدي الثمانينات والتسعينات أصبح بدوره يتطلب تقويما هيكليا على غرار الجانب الاقتصادي، من حيث تحديث الإدارة وإصلاح القضاء وتوسيع منظومة الحقوق والحريات الأساسية ودمقرطة الشأن العام...
هذه التحولات الديمقراطية مردها إلى الدور المتزايد لمنظمة العفو الدولية والبرلمان الأوربي ووزارة الخارجية الأمريكية كفاعلين مؤثرين في مسار السياسة الحقوقية المغربية، خاصة على مستوى خطاب استكمال دولة القانون الذي ساد بقوة خلال بداية التسعينات.
وفي سياق المتغيرات السوسيو-اقتصادية والديمقراطية، اعتمد النظام السياسي في المغرب استراتيجية جديدة تقوم على مسارات ثلاث:
-                                المسار الأول: يرتكز على إعادة رسم صورة النظام داخليا وخارجيا من خلال مراجعة وتحيين أدوات شرعنته التي أصبحت تنهل من دولة الحق أو القانون أو السياسة الحقوقية في أبعادها المختلفة.
-                                المسار الثاني: يعد بمثابة مرتكز مؤسساتي للمسار الأول، وذلك بإقرار دسترة نوعية لموقع المؤسسة الملكية تجاه باقي المؤسسات الأخرى من جهة أولى، ومواكبة المتغيرات الجديدة ذات الصلة بتأكيد التزام المغرب بالمواثيق الدولية وتمسكه بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا من جهة ثانية.
-                                أما المسار الثالث: فهو نتاج المسارين أعلاه، والذي يروم إعادة صياغة المشهد السياسي الوطني على نحو يحتل فيه النظام المركز والمحور الرئيسي، فضلا عن تحديد دائرة اشتغال وتحرك الأحزاب السياسية على نحو يتماشى مع قواعد اللعبة السياسية.
وعليه فالديمقراطية أصبحت تحتل القيمة الأولى في سلم المعايير السياسية، كما أضحت مطلبا من بين المطالب الاجتماعية التي تطمع على الانتقال نحو أنظمة تعترف بحقوق الفرد وحرياته وبفائدة التعددية السياسية. وهي على هذا النحو تشكل امتدادا لحقوق الإنسان على مستوى التنظيم السياسي، من حيث التأسيس لفضاء تنتشر فيه الحريات الأساسية للأفراد والجماعات، وتكون فيه السلطة محكومة بقواعد دستورية لا تستطيع خرقها، ضمانا للارتقاء بثقافة حقوق الإنسان، إلى مستوى العالمية. وفي السياق ذاته ركز إعلان الأمم المتحدة بشأن الألفية على تعزيز قدرات جميع الدول على نحو يمكنها من تعزيز تطبيق المبادئ والممارسات الديمقراطية، وتدعيم سيادة القانون، واحترام كافة حقوق الإنسان والحريات الأساسية المعترف بها، بما في ذلك الحق في التنمية.

المبحث الثاني:
التأصيل الدستوري لحماية حقوق الإنسان والانتكاسة بعد قانون الإرهاب.

ارتبط تصاعد الخطاب الحقوقي في المغرب مع عقد الثمانينات ببناء وهيكلة المجتمع المدني الذي سعى إلى إعادة صياغة علاقة الدولة بمجتمعها، تتأسس على ضمان حريات الحقوق والحريات الأساسية، وتوسيع قاعدة المشاركة أمام مختلف الفئات والشرائح الاجتماعية. فانخراط المغرب في إصلاحات دستورية همت إعداد وصياغة وتنفيذ سياسة حقوقية تقاطعت فيها محددات دولية ووطنية – كما أسلفنا الذكر – أسفرت عن تأصيل دستوري لحماية حقوق الإنسان عبر مسار عرف في البداية تطورا متواصلا عبر إقرار الحقوق والحريات، توج بالتنصيص على دسترة حقوق الإنسان (المطلب الأول) وإرفاقها بآليات قانونية ومؤسساتية (المطلب الثاني). إلا أن أحداث 16 ماي 2003 شكل انتكاسة وتراجعا عن تلك الحريات (المطلب الثالث).
المطلب الأول: من الحريات العامة إلى حقوق الإنسان تصور متواصل.
التتويج الدستوري لمسألة حقوق الإنسان وإقرار الحريات العامة في المغرب ليست وليدة لحظة، ولا بقرارا آني أو ظرفي بل خيار استراتيجي بالرغم من تعرضه لهزات وعثرات. فموضوع الحقوق والحريات كان مطروحا في المغرب منذ نهاية القرن 19، وارتبط بفكرة الإصلاح السياسي والدستوري الذي فرض نفسه مع انهزام الجيش المغربي بمعركة إيسلي 1844 وتطوان 1859 أمام القوات الاستعمارية، خاصة وأن المغرب كان دائما يعيش نوعا من الحرية تعكس التقاليد الديمقراطية للشعب المغربي، جعلته يمر من عدد من المراحل في إقرار الحريات العامة (الفرع الأول) قبل أن يعترف بها دستوريا (الفرع الثاني).
الفرع الأول: فترة ما قبل الاستقلال.
 إن البحث في تاريخ المغرب يجعلنا نقف على بوادر للفكر الحقوقي المبكر، إذ أن الحركة الدستورية في مغرب بداية القرن 20 كانت مفعمة ومحكمة بأفكار ذات مرجعية وطنية، سعت عبرها وأيضا من خلالها النخبة السياسية إلى الحد من تحكم السلطة، وخل نظام تمثيلي، إضافة إلى تشديد الإلحاح على حريات وحقوق المواطنين، فالنخبة السياسية والفكرية المغربية مسكونة مع مطلع القرن الماضي بهاجس الاطلاع السياسي والدستوري، الذي انجذبت نحوه وركبت موجته منذ انكسار دور المغرب في العلاقات الدولية[13].
إن اهتمام النخبة الفكرية بحقوق الإنسان بشقيها المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية تجلى حتى في عهد ما قبل الاستقبال، حيث شهدت هذه الفترة محطتين يمكن اعتبارهما دالين على هذا الاهتمام وهما:
        أ – مشروع دستور 1908.
        ب – مذكرة المطالبة بالاستقلال.
أ) مشروع دستور 1908 والحقوق والحريات:
شكل مشروع دستور 1908 وثيقة ضمنت فيها كل الأفكار الإصلاحية التي دونتها النخبة الفكرية الداعية للإصلاح، تضمن إقرارا عموميا لمجموعة من الحقوق المدنية والسياسية، حيث تمت المطالبة بإلغاء التسخير وإبطال كل أشكال الإهانات والتعذيب (المادة 27).
بالإضافة إلى المطالبة بالحرية الشخصية (المادة 14)، كما طالبت بإقرار حرمة المسكن (المادة 25)، والمساواة في تقلد المناصب والوظائف العمومية المادة (17) – (13).
أما على مستوى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية فقد أقر إلزامية التعلمي المادة (15)، والحق في الملكية (المادة 23) كما أقر مقاضاة الإدارة ضد كل تعسف في استعمال السلطة (المادة 34)، فم يكتف بالتنصيص على الحقوق بل وضع حتى الوسائل الأساسية لحمايتها[14] وهذا يعبر عن وعي المثقفين الوطنيين المغاربة وبوادر دسترة الحقوق والحريات ونقلها من مجال الشريعة الإسلامية إلى مجال القانون الوضعي.
ب) المطالبة بالاستقلال:
لقد عرف المغرب في ظل الحماية انتهاكات سافرة في مجال حقوق الإنسان بسبب الممارسات اللاإنسانية للمستعمر، وهذا ما دفع بالقوى الوطنية إلى المطالبة بإيقاف هذه الانتهاكات، وقد عبرت عن موقفها من خلال إصدار مجموعة من المذكرات، سواء في منطقة النفوذ الإسباني أو الفرنسي.
الفرع الثاني: فترة ما بعد الاستعمار.
عند حصول المغرب على الاستقلال اعتبر أن إقرار الحقوق والحريات من أهم دعائم إرسال دولة الحق والقانون، فكان له هذا الامتياز مقارنة بأغلب دول العالم الثالث المستقلة حديثا، التي لم تعط لهذا الجانب كبير اهتمام، تحدث ذريعة أن لها تحديات أكثر أهمية من حقوق الإنسان، وتتجلى في التحديث والتمية ومحاربة الفقر. وهذا ما تعكسه الإنتاجات القانونية.
فقد شهدت السنوات الأولى من الاستقلال (1956-1961) الإقرار العمومي لمجموعة من الحقوق، وذلك في أجواء بطبعها التوافق بين القوى السياسية الموجودة آنذاك (القصر والحركة الوطنية) لإقامة دولة وطنية يشكل الإطار القانوني للحريات العامة أهم عنصر بالنسبة لها،  فقبل تجسيد عملية إقرار الحريات والحقوق والحقوق قانونيا، اعتبر العهد الملكي، الذي صدر في شكل خطاب موجه إلى الأمة، بمثابة قانون أساسي، في وت كان المغرب لازال يتهيأ لاستقبال تجربة الدستور.
وقد تضمن هذا العهد مجمل الخطوط التي سيعمل على إبرازها فيها بعد قانون الحريات العامة[15].
لقد رسم العهد الملكي الإطار الذي يجب أن تمارس داخله حقوق الإنسان في المغرب، والمتمثل في نظام الملكية الدستورية، كما حدد المبادئ التي يجب أن تسير وفقها هذه الحقوق والحريات... فالعهد الملكي إلى جانب إبرازه لمسألة كان تشغل النخبة السياسية فإنه أبان بصورة واضحة أن أفضل حكم يمكن أن تعيش البلاد في ظله وتمارس من خلاله سيادتها هو الحكم الديمقراطي، واعتبر أن الأمر يتيسر إلا في ظل وجود مؤسسات سياسية دستورية، وبين كيف يمكن أن تتحقق بموجب سيادة الشغب، والفصل بين السلطات، وإقرار الحريات العامة بقانون[16].
سيتوج الاهتمام بالحقوق والحريات ما بين 1956-1961 بصدور ظهير الحريات العامة، التي تعد أهم حدث حقوقي طبع سنة 1958[17]، والتي ظلت منذئذ تحتل مكانة أساسية في الرصيد القانوني والحقوقي المغربي والقانون الأساسي للمملكة الصادر في يونيو 1961، الذي نص على عدد من الحقوق والحريات العامة في جوانبها المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية. وأشار أيضا في مجال قانوني سياسي يساعد على ممارسة هذه الحقوق، فأكد على مبدأين أساسيين هما: فصل السلط واستقلال القضاء. وما يمكن ملاحظته خلال هذه المسيرة هو أنه لم يتم الاهتمام إلا ببعض الحقوق والحريات الأساسية وليس كل الحقوق والحريات المقدم الوعد بشأنها. إذ تم التشديد على الحريات الممارسة من طرف الفرد في مواجهة الأفراد الآخرين، ولم يأخذ بعين الاعتبار الحريات التي تدخل في إطار العلاقات الاجتماعية[18].
أ) تضمين الحريات العامة في الدساتير الأولى:
في سنة 1962 دخل المغرب مرحلة جديدة بإقراره أول دستور للبلاد ضمنه أصنافا من الحقوق السياسية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية كما أقر مبدأ فصل السلط والملكية الدستورية وغيرها من الركائز التي تدعم بناء دولة القانون. وإن كان لم يأت بجديد في هذا المجال بل كرس ما جاء في ظهير الحريات العامة، ما فسح المجال لمطالبات جديدة لإقرار دولة ديمقراطية اجتماعية.
وقد تميزت مرحلة نهاية الستينات والسبعينات بأجواء التوتر الاجتماعي والسياسي (أحداث 23 مارس 1965، إعلان حالة الاستثناء في يونيو من نفس السنة- المحاولتان الانقلابيتان الفاشلتان لسنتي 1971 و1972، أحداث مارس 1973) مما انعكس على المستوى الحقوقي سواء من خلال مختلف التعديلات التي طالت بعض القوانين كقانون المسطرة الجنائية[19] وظهائر الحريات العامة، أو من بداية البروز الواضح لبعض الملفات الحساسة، كالاعتقال السياسي والاختفاء القسري[20].
فقد عرفت هذه الفترة تراجعا ملحوظا في مجال حقوق الإنسان، عكس الانطلاقة المشجعة التي أبان عنها النظام في بداية الاستقلال، فعلى المستوى القانوني، إذا استثنينا المراجعتين الدستوريتين لسنوات 1962 و1970، والتي عرفت تراجعا كبيرا و1972، التي تعتبر وسطا بين دستور 1962-1970، إذ صادق المغرب على العهدين الدوليين المتعلقين بالحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية لسنة 1966 في مايو 1979، فمصادقة المغرب على بعض المواثيق الدولية المرتبطة بحقوق الإنسان كانت ضعيفة خلال هذه الفترة. كما أنه على مستوى الممارسة تميزت هذه المرحلة بانتهاكات سافرة لحقوق الإنسان بسبب تنامي الاحتجاجات اشعبية التي ووجهت بمحاكمات غير عادلة وعقوبات قاسية وصلت حد الحكم بالإعدام بالإضافة إلى الاغتيالات والاختطافات. على أن السنوات الأخيرة من فترة السبعينات ستشهد نوعا من أجواء الانفراج داخل الحقل السياسي عملت في خضمه السلطات على إعادة المسألة الحقوقية إلى واجهة الاهتمام العمومي. خصوصا مع التحولات الدولية في سنوات الثمانينات التي ستشهد صعودا قويا وملفتا للمسألة الحقوقية بمختلف أبعاده عكست لحظة نضج واضحة على مستوى انتظام مختلف الفاعلين حول خطاب استكمال دولة الحق والقانون توجت بالاستجابة لمطالب الأحزاب والمنظمات الحقوقية بدسترة حقوق الإنسان.
ب) القتضيات والضمانات الدستورية المتعلقة بحقوق الإنسان:
جاءت نصوص الدساتير المغربية، عند تعرضه للحقوق والحريات العامة متطابقة مع اختلاف يبعض الكلمات التي لا تؤثر على المضمون، حيث اختار المغرب نظام الملكية الدستورية مع فصل السلط، وقد ضم دستور 1962 في بابه الأول مجموعة من الحقوق لصالح المواطنين في حين أن دستوري 1970 و1972 لم يأتيا بجديد في هذا المجال وقد أغنى دستور 1992 بصفة دقيقة مادة حقوق الإنسان بتبنيه لمجموعة من النصوص المعترف بها عالميا.
وإذا كانت الدساتير الثلاثة الأولى قد أضافت إلى النصوص الدستورية مجموعة من القوانين التشريعية كقانون الحريات العامة 1958 والقانون الأساسي للمملكة لسنة 1961. فإن المراجعة الدستورية لسنة 1999، سمحت بإدراج قواعد ذات أصل اتفاقي في الدستور، وذلك من خلال إيجاد مقاربة قانونية تسمح بتدبير جدلية الخصوصية والكونية في مجال حقوق الإنسان[21]. فأصبح المغرب ليس فقط ملزما بتطبيق النصوص الحقوق المنوص علهيا بالديباجة، ولكن أيضا الاتفاقيات والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان.
فكل موجة من التعديلات الدستورية محكومة بظروفها السياسية الوطنية والدولية الملازمة لها، ومتأثرة بالحالة التي عليها حقوق الإنسان على المستوى الدولي.
إن لحظة الموجة الدستورية الثالثة في المغرب تزامنت مع ظهور جيل ثالث لحقوق الانسان وتقليص ملحوظ للحقوق الاجتماعية والاقتصادية. في هذا المناخ ظهر دستوري 1992 و1996[22] تضمن الباب الأول من دستور 1996 جملة من الأحكام العامة والمبادئ الأساسية المتعلقة بالمقتضيات الخاصة بحقوق الانسان التي وردت على سبيل الأقرار والضمان.
فيما يخص الأحكام المتعلقة بالحقوق أكد الدستور أن:
نظام الحزب الواحد نظام غير مشروع - القانون هو أسمى تعبير عن ادارة الأمة، ويجب على الجميع الامتثال له وليس للقانون أثر رجعي، جميع المغاربة سواء أمام القانون – الرجل والمرأة متساويان في التمتع بالحقوق السياسية – لكل مواطن ذكر أو أنثى الحق في أن يكون ناخبا إذا كان بالغا سن الرشد ومتمتعا بحقوقه المدنية والسياسية، وفيما يخص الضمانات التي يكفلها الدستور، أكد ما يلي:
- حرية التجول وحرية الاستقرار بجميع أرجاء المملكة – حرية الرأي وحرية التعبير بجميع أشكاله وحرية الاجتماع – حرية تأسيس الجمعيات وحرية الانخراط في أي منظمة نقابية وسياسية.
أما فيما يخص الضمانات الدستورية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان تؤكد  الأحكام العامة والمبادئ الأساسية على ما يلي:
- لا يلقى القبض على أحد ولا يعتقل إلا في الأحوال وحسب الإجراءات المنصوص عليها في القانون – المنزل لا تنتهك حرمته، ولا تفتيش ولا تحقيق إلا طبق اشروط والإجراءات المنصوص عليها في القاننن - ...إلخ.
وبالموازاة مع هذه التصريحات الدستورية صادق المغرب على جل الحقوق، وقد  توزعت هذه المعاهدات والاتفاقيات إلى:
- الاتفاقيات العامة – الاتفاقيات الخاصة – الاتفاقيات المتعلقة بمناهضة التمييز – الاتفاقيات المتعلقة بحماية الفئات[23].
فالمصادقة على هذه الاتفاقيات ترجمت رغبة السلطات المغربية في إعطاء الطابع الكوني لخطاب استكمال دولة القانون من خلال الاستجابة السريعة للمقتضيات الجديدة الواردة في تصدير الدستور وإرفاقها بتدابير مهمة لاندراج المغرب في كونية حقوق الإنسان.


المطلب الثاني: الآليات القانونية والمؤسساتية الوطنية لحماية حقوق الإنسان.
إذا كانت الدساتير المغربية المتعاقبة عملت على الاعتراف بالحقوق والحريات توجت بدسترة حقوق الإنسان فإن مسألة تعدادها وتحديدها وتدقيق تنظيمها يخضع إلى تدابير قانونية (الفرع الأول)، وإلى إحداث مؤسسات تضمن توفير الأجواء المناسبة وضمانات لمنع انتهاكها (الفرع الثاني).
الفرع الأول: الآليات القانونية لحماية حقوق الإنسان.
لا تكفي الإشارة في ديباجة الدستور إلى الاعتراف بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا للقول باحترام الدولة لها وعدم انتهاكها فمسألة الاعتراف تلك قد تصير إجراء شكليا ما لم ترفق بضوابط قانونية مفصلة، ففي حقوق الإنسان ما هو وطني داخلي يمس المواطن في حياته اليومية هو الأهم، ومن أجله يتم تأكيد التشبث بالبعد الدولي لتلميع صورة الدولة في العلاقات الدولية. فالتأكيد على البعد الدولي ليس إلا تثبيتا لحقوق الإنسان والمواطن.
وقد شهدت سنوات التسعينات في المغرب تحولات مهمة خصوصا على مستوى تطوير الصرح القانوني الذي جعل منه إحدى أولوياته الدفع بحقوق الإنسان والديمقراطية إلى المرتبة التي يصبو إليها، حيث اتبع الإصلاحات الدستورية مصادقته على عدد من الاتفاقيات الدولية واتخاذ عدد من التشريعات والإجراءات القانونية من أجل تدعيم دولة القانون في جميع المجالات، مسجلا سبقا لم  تشهده دول مثيلة له.
فقد أعقبت السلطات المغربية التكريس الدستوري الحالي 1996 (الفصل 45 من الدساتير السابقة) الذي يمنع للبرلمان إمكانية تأطير وصياغة المعايير الحقوقية، فعلى امتداد ما يزيد عن عشر سنوات أنتج البرلمان المغربي 44 قانونا في المادة الحقوقية، شملت مختلف الأجيال الحقوقية المتعارف عليها.


الفرع الثاني: الآليات المؤسساتية الوطنية لحماية حقوق الإنسان.
في إطار سعي المغرب إلى ترسيخ وتدعيم دولة الحق والقانون عمل على أن يأخذ مفهوم حقوق الإنسان بعده المتعارف عليه دوليا وإحداث الآليات المؤسساتية الكفيلة بتأمين الحقوق والنهوض بها، عبر إنشاء مؤسسات رسمية وأخرى منظمات غير حكومية تعمل على حماية حقوق الإنسان.
- المؤسات الرسمية:
المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان – ديوان المظالم – مديرية الحريات العامة بوزارة الداخلية – الوزارة المكلفة بحقوق الإنسان – لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلسي النواب والمستشارين – القضاء الدستوري الذي يتولى فحص دستورية القوانين وحماية حق المشاركة – القضاء الجنائي – القضاء .
أما المؤسسات غير الرسمية: فتتمثل في مختلف الجمعيات الحقوقية التي ظهرت في السبعينات، ليتضاعف عددها وتتنوع تدخلاتها بشكل وازن في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان ونشر ثقافتنا تدريجيا، حيث نجد حاليا:
- جمعيات تصب نشاطه على موضوع حقوق الإنسان بشموليته مع اهتمام خاص بالحقوق المدنية والسياسية، منها:
* المنظمة المغربية لحقوق الإنسان.
* المعصبة المغربية لحقوق الإنسان.
* الجمعية المغربية لحقوق الإنسان.
* لجنة الدفاع عن حقوق الإنسان.
* المركز المغربي لحقوق الإنسان.
* منظمة العفو الدولية فرع المغرب.
* الرابطة المغربية لحقوق الإنسان.
- جمعيات متخصصة في الحقوق الفئوية: حقوق المرأة، الطفل...
- جمعيات توجه جهودها للدفاع عن حقوق ضحايا خروقات حقوق الإنسان.
* المنتدى المغربي للحقيقة والإنصاف.
* عائلات المختفين.
* عائلات متحتجزي تندوف.
* ضحايا الغازات السامة بالريف...
- جمعيات تهتم بالتربية والمواطنة:
* آفاق موماطنة وتنمية.
* ترانسبرانسي المغرب.
- جمعيات تنشط أساسا في مجال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
* جمعيات النصوص بالتنمية المحلية والجهوية.
* جمعية جمعيات محاربة الفقرة والتهميش.
* جمعيات محاربة الأمية.
* جمعيات النهوض بالثقافة الأمازيغية.
لعبت هذه الوسائل المؤسساتية، سواء منها الرسمية أو غير الرسمية دورا مهما في تنفيذ جانب هام من السياسة الحقوقية خصوصا خلال عقد التسعينات.
بجانب هذه المؤسسات عملت السلطات المغربية على اتخاذ تدابير وإجراءات عملية هادفة تتمثل في تسوية مختلف ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وإطلاق سراح المعتقلين وإحداث هيئة تحكيم مستقلة للتعويض عن الضرر المادي والمعنوي الحاصل لضحايا أو ذوي الحقوق ممن كانوا ضحايا الاختفاء القسري أو الاعتقال التعسفي... وإحداث هيئة الإنصاف والمصالحة[24] التي انتهت مهمتها بنشر تقريرها، كل هذه الإجراءات هدف منها تعزيز المكتسبات ونشر ثقافة حقوق الإنسان، لكن إقرار قانون الإرهاب مؤخرا أثار التساؤلات من جديد حول مدى قانونية الإجراءات المتخذة عقب أحداث 6 ماي 2003.
المطلب الثالث: مصير حقوق الإنسان في المغرب بعد صدور قانون مكافحة الإرهاب.
يبدو أن الضغط الذي مارسته الولايات المتحدة الأمريكية منذ أحداث 11 شتنبر 2001 على جميع دول العالم من أجل وضع مقاربة أمنية جد مشددة، زيادة على الظروف والملابسات العامة التي أحاطت بأحداث 16 ماي 2003 قد عجلت بإصدار قانون 03.03 المتعلق بمكافحة الإرهاب، وكان الأجدر بالمشرع المغربي أن يتريث قبل الإقدام على هذه الخطوة سيما وأن المجتمع الدولي مازال لم يتوصل إلى اتفاق حول تعريف الإرهاب وتحديد شروطه.
لذلك اتسم قانون 03.03 الصادر بمقتضى الظهير الشريف رقم 140.03.01 في 28 ماي 2003[25]، بمجموعة من الثغرات أدت، وقد تؤدي، إلى انتهاكات لحقوق الإنسان، بحيث لم يشر لا من قريب أو من بعيد إلى أي ضمانات لاحترام حقوق الأفراد، فالفصل 8-218 يخرق مبدأ المساواة أمام القانون إذ يشير في الفقرة الأولى إلى المعاقبة بالسجن من 10 سنوات إلى عشرين سنة في حق كل من يقدم عمدا إلى من يرتكب عملا إرهابيا أو يساهم أو يشارك فيه أسلحة أو دخائر إلخ. في حين نجد في الفقرة الثانية أن المحكمة يجوز لها إعفاء أقارب وأصهار من ارتكب جريمة الإرهاب أو ساهم أو شارك فيها إلى غاية الدرجة الرابعة وذلك إذا قدموا له مسكن أو وسائل تعيش شخصية فقط.
وكان على المشرع المغربي أن يركز على عنصر النية في تقديم هذه المساعدات دون تميز بين الأشخاص.
ونفس التميز نجده في الفصل 8-218 فيما يتعلق بعدم التبليغ عن الجريمة الإرهابية وزيادة على ذلك كان المشرع المغربي جد متشدد فيما يتعلق بإنزال العقوبة على الأشخاص الفاعلين أو المساهمين أو المشاركين الذين راجعوا ضمائرهم وكشفوا قبل غيرهم للجهات القضائية أو الأمنية أو الإدارية أو العسكرية عن وجود اتفاق جنائي أو عن وجود عصابة لأجل ارتكاب جريمة إرهابية، بحيث تم تخفيض العقوبة إلى النصف، بمعنى أنه وفقا للفصل 9-218 إذا كانت العقوبة هي الإعدام فتحول إلى السجن المؤبد. وإذا كانت هي السجن المؤبد فتخفض إلى السجن من 20 سنة إلى 30 سنة، وكان الأجدر بالمشرع المغربي أن يخفض هذه العقوبة إلى من ذلك لتشجيع الأفراد على التراجع عن أفعالهم والتبليغ عنها، مادام أن الجريمة الإرهابية لم ترتكب. والملاحظ أن الفقرة الثالثة من المادة 62 من المسطرة الجنائية، المعدلة بمقتضى قانون 03.03 فيها انتهاك سافر لحرمة المنازل والمساكن فإعطاء الضوء الأخضر للتفتيش والمعاينة قبل الساعة السادسة صباحا أو بعد الساعة التاسعة ليلا بإذن كتابي من النيابة العامة تعتبر خرقا للمادة 17 من الميثاق الدولي المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية الذي اعتمدته الجمعية العامة في 16 دجنبر 1966 وبدأ العمل به في 23 مارس 1976، وأيضا للمادة 12 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان[26]ونفس الملاحظة يمكن تسجيلها بالنسبة للمادة 108 التي تجيز في  فقرتها الثالثة والرابعة إمكانية التقاط المكالمات الهاتفية أو الاتصالات المنجزة بوسائل الاتصال عن بعد وتسجيلها وأخذ نسخ منها أو حجزها متى كان الأمر مرتبطا ببعض الجرائم والتي من ضمنها الجريمة الإرهابية، بحيث يعتبر هذا العمل انتهاكا لسرية المراسلات كما أن المسطرة المعمول بها فيما يخص الدراسة النظرية، والتي قد تصل بعد التمديد وفقا للمادة الرابعة من المادة 66 من قانون المسطرة الجنائية المعدلنة إلى 12 يوما تعتبر خرقا سافرا لحقوق الإنسان إذ أن الاحتفاظ بالشخص لهذه المدة الزمنية قبل عرضه على القاضي يتناقض مع الفقرة الثالثة من المادة التاسعة من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والتي جاء فيها "كل فرد يوقف أو يعتقل بتهمة جزائية يحال بأسرع ما يمكن أمام قاض أو أية سلطة مخولة قانونيا ممارسة وظائف قضائية، ويجب أن يحاكم ضمن مهلة معقولة أو يطلق سراحه، واعتقال أشخاص ينتظرون المثول للمحاكمة يجب أن لا يكون القاعدة، ولكن إطلاق السراح يمكن أن يتعلق بضمانات تؤمن مثول المعني أمام المحكمة، وجميع مراحل المحاكمة، وإذا دعت الحاجة من أجل تنفيذ الحكم".
ولذلك نرى أن المشرع الفرنسي جعل الحراسة النظرية في الجرائم الإرهابية لا تتجاوز ثلاثة أيام، وهذا ونلاحظ أيضا بأن المادة 1-595 من القسم الرابع من قانون 03.03 والتي تعطي للوكيل العام للملك إمكانية طلب معلومات حول عمليات أو تحركات أموال يشتبه بأن لها علاقة بتمويل الإرهاب وذلك من بعض المؤسسات البنكية تخرق مبدأ السر البنكي سيما إذا تعلق الأمر بمواطنين مشتبه فيهم. ولم تتم إدانتهم كما أن إعطاء الإمكانية لممثل النيابة العامة لتأخير اتصال المحامي بموكله بناء على طلب ضابط الشركة القضائية وذلك وفقا للفقرة التاسعة من المادة 66 وأيضا الفقرة العاشرة من المادة 80 من قانون المسطرة الجنائية.
وعليه، فقد ترتب عن تطبيق قانون 03.03 إجراءات زجرية مست بشكل خطير بمبادئ حقوق الإنسان المتعارف عليها دوليا، فاعتقال سبعة آلاف شخص، ومحاكمة ألفين منهم، يعتبر بالنظر إلى هذا الحجم الهائل إجراء غير منطقي سيما وأن العديد من المنظمات والهيئات الحقوقية الوطنية والدولية، نددت بهذا الوضع المتأزم، فقد صدر عن المنظمة الحقوقية الأمريكية هيومان رايتش ووتش ثلاث تقارير آخرها صدر في 21 أكتوبر 2004، جاء في بعض مضامينه "إن الحريات التي تمتع بها المغاربة خلال 15 سنة الماضية مهددة، ومخاطر الحملة التي قادتها مختلف الأجهزة الأمنية بعد أحداث 16 ماي المفجعة كبيرة، ليس فقط لأولئك المشتبه في تورطهم من جماعات المتشددين والمتطرفين بل لجميع المغاربة[27]. ومعنى هذا أن المنظمة سجلت تراجعا كبيرا للسنوات التي قطعها المغرب في مجال حقوق الإنسان بعد أحداث 16 ماي 2003. بحيث كشفت وعلى امتداد شهرين من البحث والتقصي عن اعتقالات تعسفية لم تحترم فيها المقاييس الإنسانية، بعد أن تم وضع أغلبية المعتقلين تحت الحراسة النظرية لمدة تزيد عن تلك المسموح بها قانونيا، ومنح أغلبية المتهمين من الاتصال بمحاميهم زيادة على عدم إعطاء هؤلاء الوقت الكافي قصد دراسة قضايا موكليهم هذا فضلا عن ممارسة التعذيب لانتزاع الاعترافات أو التوقيع جبرا على محاضر الضابطة القضائية، وتزوير تواريخ الاعتقال، وانتهاكات مورست على مستوى تفتيش المنازل دون الحصول على أمر قضائي بذلك[28].

خلاصة:
ليس في نيتنا غض الطرف عن كون التساؤل عن الطابع الكوني لمفهوم "حقوق الإنسان" تساؤلا مشروعا وله ما يبرره، ولكننا نعتقد أنه تساؤل قابل للأخذ والرد، والاجتهادات المتباينة، وأن مضامين "حقوق الإنسان" ومهما قيل حول هذا الموضوع، تستجيب لحاجة ملحة عند جميع البشر، بل ولطموح إنساني عام يمكن أن نسميه قضية الدفاع عن الكرامة، وهذا الطموح تم التعبير عنه في صيغ مختلفة، في جميع الثقافات وفي جميع اللغات، ومنذ أن وجدت المجتمعات البشرية. وإذا كانت هذه الحاجة الملحة، وذلك الطموح المشروع، يبدوان وكأنهم مضادين لطبيعة نفسها بسبب تناقضها البين مع قانون "الحق الأقوى" والبقاء للأصلح، الذي يحكم مملكة الطبيعة برمتها، بل ويخضع له تطوير المجتمعات البشرية ذاتها، حسب وجهة نظر نظريات الداروينية الاجتماعية، فإنهما بالرغم من ذلك، يعبران عن خصوصية الظاهرة البشرية، وعن الطبيعة الاجتماعية والثقافية الإنسانية، إن الطبيعة الاجتماعية والثقافية للإنسان هي في تقديرنا العلة الموجبة لمفهوم "حقوق الإنسان" والثقافة كما يقول سيغموند فرويد وجدت لحماية الإنسان من الطبيعة. وفي السياق نفسه يمكن أن نضيف، لا مفر لنا من الإيمان بأن ثقافة حقوق الإنسان وجدت في عالمنا المعاصر لحماية البشر من طبيعة الحجر، والاستبداد، والظلم، والاستغلال، والقهر، والاحتقار، والمهانة.
ونختتم هذا العرض بالقول إن التناقض بين الخطاب عن حقوق الإنسان وبين ممارسات مصدري هذا الخطاب بين الشعارات الجذابة وبين الواقع الذي نكتشفه بالملموس في تجاربنا وفي علاقتنا مع دول الغرب، راعية هذه الحقوق من حيث المبدأ على الأقل، إن هذا التناقض لا يلغي حقيقة أن مفهوم حقوق الإنسان صار يكتسب بالتدريج بعدا إنسانيا كونيا، رغم أن البيئة الأولى التي نبتت فيها معروفة، ويمكن تحديده افي الزمان والمكان، ورغم أنه لا يغيب عن بالن تماما، أن هذه الحقوق ليست حقوقا طبيعية، كما أنها ليست مبادئ ولا قيما زمانية، لقد تم الإعلان عنها، وأقرت وفرضت بالتدريج، في رقعة جغرافية معينة، وفي حقبة معينة من تاريخ البشرية ومن المؤكد أنها كانت من قبل متجاهلة ومنكورة تماما وإحقاقها وتحويلها إلى مكتسبات إنسانية عالية، لم يكن بالأمر الهين، إذ تطلب بذل تضحيات باهظة وخوض صراعات شاقة وطويلة، بل ودموية في أغلب الأحيان.



[1] -محمد ضريف: "حقوق الإنسان بالمغرب، دراسة في القانون العام المغربي"، 1994، ص: 17.
[2] -يوسف البصيري: "تأصيل مسؤولية الدولة المغربية في مجال حقوق الإنسان – المكتسب والرهان –"، وارد ضمن: المواطنة وحقوق الإنسان بالمغرب، أعمال الندوة الوطنية، مراكش 19 و20 مارس 2004. منشورات كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، مراكش. سلسلة: الندوات والأيام الدراسية، العدد: 22، ص: 33.
[3] -لقد دعت RAMAYADE كاتبة الدولة لدى وزير الشؤون الخاريجة مكلفة بالشؤون الخارجية وحقوق الإنسان بفرنسا، نيكولاي ساركوزي إلى عدم إدارة ظهره "لديبلوماسية القيم" إثر زيارة القذافي لفرنسا التي تزامنت مع ذكرى اليوم العالمي لحقوق الإنسان.
[4] -تتوفر وزارة الخارجية الأمريكية منذ 1976 على إدارة لحقوق الإنسان ممثلة في مكتب حقوق الإنسان والشؤون الإنسانية، هذا الأخير أعيد تنظيمه سنة 1994 ليحمل اسم: مكتب الديمقراطية وحقوق الإنسان والعمل. انظر: محمد احميمد: "عالمية حقوق الإنسان"، دبلوم الدراسات العليا المعمقة، جامعة الحسن الثاني، عين الشق، كلية الحقوق، الدار البيضاء، السنة الجامعية 2000-2001، ص: 92.
[5] - انظر: التقرير الاستراتيجي للمغرب 1998/1999، منشورات مركز الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية (CERSS)، السنة 16، العدد: 48-49، السنة 1999، ص: 6-7.
انظر أيضا: التقرير الاستراتيجي للمغرب 2000/2001، منشورات مركز الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية (CERSS)، السنة 18، العدد: 53-54، السنة 2000/2001، ص: 6.
[6] -يذهب محمد العربي المساري إلى أن رغبة المغرب في الانخراط الاقتصادي العالمي، دفعته إلى تلميع صورة مؤسساته عبر تكريس التعددية وحرية التعبير، فضلا عن الإفراج السياسي، حيث كان الرأي الخارجي حاسما في اتخاذ بعض التدابير، مثلا تصفية مركز تزمامارت مرده كان أحد المعتقلين فيه كان متزوجا بأمريكية، واتخاذ مثل هذا الإجراء كان وراء السعي لاكتساب صورة أفضل لدى الشركاء السياسيين والاقتصاديين. محمد العربي المساري: "تبادل التأثير بين رسم السياسات الداخلية والصورة الخارجية"، ص: 48-50-66.
[7] -محمد تاج الدين الحسيني: "إشكالية التعارض بين حق التدخل الدولي وسيادة الدول"، أشغال الدورة الأولى 1994 لأكاديمية المملكة المغربية.
[8] -عبد العزيز النويضي: "الحق في التنمية بين القانون الدولي والعلاقات الدولية".
[9] -عبد العزيز النويضي: "اشتراطية حقوق الإنسان: ربط المساعدة باحترام حقوق الإنسان في العلاقات بين الدول"، وارد ضمن 40 سنة من الحريات بالمغرب 1959-1998.
[10] -آلان روسيون (Allain Roussillon): "مغرب التحولات: التناوب والاستمرارية"، ترجمة: أسماء عيموش، وارد ضمن التحولات، الاجتماعية بالمغرب إصدارات مركز طارق بن زياد للأبحاث والدراسات سنة 2000.
[11] -نور الدين العوفي: "الإصلاح الاقتصادي: الاستراتيجية والمؤسسات والفاعلون"، ترجمة عبد الهادي الإدريسي، وارد ضمن التحولات الاجتماعية بالمغرب.
[12] -بطرس بطرس غالي: حقوق الإنسان بين الديمقراطية والتنمية، مجلة السياسة الدولية، العدد: 114، السنة 1993.
[13]  - علي كريمي، حقوق الإنسان والحريات العامة بالمغرب بين طموح التغيير وإكراه الظروف السياسية، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية.
[14]  - بصري محمد، حقوق الإنسان والحريات العامة، دار النشر الجسور، وجدة 199، ص: 139.
[15] - انظر: علي كريمي، حقوق الإنمسان والحريات العامة بالمغرب بين طمع ظهور التغيير وإكراه الظروف السياسية، م.س، ص: 34-35.
[16] -  عبد العزيز اللوري: المسألة الدستورية والمسار الديمقراطي في المغرب، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، 1996، ص: 41.
[17] - تتضمن ظهائر ثلاثة وهي:
- ظهير شري رقم 1.58.376 الصادر في 3 جمادى ا لأولى 1378 موافق 15 نونبر 1958 يحدد بموجبه حق تأسيس الجمعيات، ج-ر عدد 2404 مكرر 27 نونبر 1958.
- ظهير شريف رقم 1.58.377، الصادر في 3 جمادى اأولى 1378 موافق 15 نونبر 1958، بشأن التجمعات العمومية ج – ر عدد 2404 مكرر 27 نونبر 1958، ص: 2853-2856.
- ظهير شريف رقم، 1.58.378 الصادر في 3 جمادى الأولى 1378 موافق 15 نونبر 1958، بشأن قانون الصحافة بالمغرب، ج-ر عدد 2404 مكرر 27 نونبر 1958، ص: 2856-2869.
[18]  - علي كريمي، نفس المرجع السابق، ص: 36.
[19]  - عرف قانون المسطرة الجنائية عدة تعديلات أبرزها تلك التي صدرت في 18 شتنبر 1962، ومست عدة ضمانات متعلقة بالاعتقال الاحتياطي.
[20]  - انظر، محمد بنيس، م.س، ص: 10.
[21] - Abdellah Saaf : « Université et spécificité dans les droits de l’homme » in le Maroc et les droits de l’homme – position – réalisations et perspectives, ouvrage collectif, ed, l’harmattan, Paris 1994.
[22] - عمر بندور، مدخل لدراسة حقوق الإنسان والحريات العامة، دار النشر المغربية، 1998، ص: 146.
[23] - للمزيد من التفصيل، انظر: محمد بنيس، م.س، ص: 278-279.
[24]  - صدر ظهير شريف رقم 1.04.02 في أبريل 2004  بالمصادقة على النظام الأساسي لهيئة الإنصاف والمصالحة، منشور بالجريدة الرسمية عدد 5203 بتاريخ 12 أبريل 2004. أحدثت هيئة لتسوية ملف الانتهاكات الجسيمة لحقو ق الإنسان التي عرفها المغرب بين سنوات 1956 و1999. وقامت بمبادرات أساسا في جلسات الاستماع العمومية المنظمة في العديد من المناطق. والكثير من الندوات الفكرية التي صاحبت هذه الجلسات وتحويل وإعادة تأهيل مراكيز الاعتقال السابقة والكشف عن أماكن رفات الضحايا، الذين توفوا خلال احتجازهم بمعتقلات تازمامارت، أكدر، قلعة مكونة، تاكونيت، وكرامة والكشف عن مقابر جماعية وتقديمها لتقرير نهائي تضمن العديد من الحقائق والخلاصات بشأن ماهية الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.
[25]  - انظر الجريدة الرسمية عدد 5112 الصادر في 29 ماي 2003.
[26]  - انظر هذه المواد في برولان وبتافيرييه، نفس المصدر، ص: 15 وص: 39.
[27]  - يوسف بجاجا: "تقشرير ساخن لهيومان رايش ووتش – المغرب في مفترق الطرق" ، جريدة الأيام، العدد 155، 28 أكتوبر – 3 نونبر 2004، ص: 12-13.
[28]  - يوسف بجاجا، نفس المصدر، ص: 12-13.
navright

‏ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق